الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

100

مناهل العرفان في علوم القرآن

مطاعن شنيعة جارحة ، لا تبقى لأي واحد منهم أي نصيب من عدالة أو ثقة ، ولا تجعل لهذه النسخ التي زعموا أنها التوراة أقل شئ من القيمة أو الصحة ، ما داموا هم رواتها وحفاظها ، وما دامت هي لم تعرف إلا عن طريقهم وبروايتهم . ( ثالثها ) أن هذا التواتر الذي خلعوه على التوراة لا يسلم لهم أيضا لأنها لو كانت متواترة لحاجوا بها أفضل الرسل صلى اللّه عليه وسلم ، ولعارضوا دعواه عموم رسالته بقول التوراة التي يؤمن بها ولا يجحدها ، بل يجهر بأنه جاء مصدقا لها ؛ ويدعو المسلمين أنفسهم إلى الإيمان بها . ولكن ذلك لم يكن . ولو كان لنقل واشتهر . بل الذي نقل واشتهر هو أن كثيرا من أحبار اليهود وعلمائهم كعبد اللّه بن سلام وأضرابه ، قد ألقوا القياد لرسول اللّه مؤمنين ودانوا لشريعته مسلمين واعترفوا بأنه الرسول الذي بشرت به التوراة والإنجيل . ( رابعها ) أن لفظ التأبيد الذي اعتمدوا عليه فيما نقلوه ، لا يصلح حجة لهم ، لأنه يستعمل كثيرا عند اليهود معدولا به عن حقيقته . من ذلك ما جاء في البقرة التي أمروا بذبحها : « هذه سنة لكم أبدا » وما جاء في القربان : « قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما » مع أن هذين الحكمين منسوخان باعتراف اليهود أنفسهم ، على رغم التصريح فيهما بما يفيد التأبيد كما ترى . ( خامسها ) أن نسخ الحكم المؤبد لفظا جائز على الصحيح ، كما أشرنا إلى ذلك قبلا . فلتكن هاتان العبارتان اللتان اعتمدوا عليهما منسوختين أيضا . وشبهة التناقض تندفع بأن التأبيد مشروط بعدم ورود ناسخ ، فإذا ورد الناسخ انتفى ذلك التأبيد ، وتبين أنه كان مجرد تأبيد لفظي للابتلاء والاختبار فتأمل . 2 - شبهة النصارى : يقولون : إن المسيح عليه السلام قال : « السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول » . وهذا يدل على امتناع النسخ سمعا .