الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
101
مناهل العرفان في علوم القرآن
وندفع هذه الشبهة ( أولا ) بأنا لا نسلم أن الكتاب الذي بأيديهم هو الإنجيل الذي نزل على عيسى ، إن هو إلا قصة تاريخية وضعها بعض المسيحيين ، يبين فيها حياة المسيح وولادته ونشأته ودعوته والأماكن التي تنقل فيها ، والآيات التي ظهرت على يديه ، ومواعظه ومناظراته . كما يتحدث فيها عن ذلك الحادث الخيالي حادث الصلب . وعلى رغم أنها قصة فقد عجزوا عن إقامة الدليل على صحتها وعدالة كاتبها وأمانته وضبطه ، كما أعياهم اتصال السند وسلامته من الشذوذ والعلة . بل ثبت علميا تناقض نسخ هذه القصة التي أسموها الإنجيل ، مما يدل على أنها ليست من عند اللّه ولو كانت من عند اللّه ما أتاها الباطل من بين يديها ولا من خلفها . وصدق اللّه في قوله عن القرآن : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً . ( ثانيا ) أن سياق هذه الكلمة في إنجيلهم ، يدل على أن مراده بها تأييد تنبؤاته ، وتأكيد أنها ستقع لا محالة ، أما النسخ فلا صلة لها به نفيا ولا إثباتا . وذلك لأن المسيح حدث أصحابه بأمور مستقبلة ، وبعد أن انتهى من حديثه هذا أتى بهذه الجملة التي تشبثوا بها : « السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول » . ولا ريب أن لسياق الكلام تأثيره في المراد منه . وهكذا شرحها المفسرون منهم للإنجيل وقالوا : إن فهمها على عمومها لا يتفق وتصريح المسيح بأحكام ، ثم تصريحه بما يخالفها . من ذلك أنه قال لأصحابه - كما جاء في إنجيل متى - : « إلى طريق أمم لا تمضوا ، ومدينة للسامرين لا تدخلوا . بل اذهبوا بالجري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة » وهذا اعتراف بخصوص رسالته لبنى إسرائيل . ثم قال مرة أخرى - كما جاء في إنجيل مرقس - : « اذهبوا إلى العالم أجمع . واكرزوا بالإنجيل للخليقة » . فالقول الثاني ناسخ للأول .