الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
73
مناهل العرفان في علوم القرآن
ثم إن هذا المزيج الطريف الذي نجده في كل سورة أو طائفة منه ، له أثر بالغ في التذاذ قارئه ، وتشويق سامعه ، واستفادة المستفيد بأنواع متنوعة منه ، في كل جلسة من جلساته أو درس من دروسه وهذا هو الأسلوب الحكيم في التعليم والإرشاد ، خصوصا لتلك الأمة الأميّة التي نزل عليها . فما أشبه كلّ مجموعة من القرآن بروضة يانعة يتنقّل الإنسان بين أفيائها متمتعا بكل الثمرات ، أو بمائدة حافلة بشتى الأطعمة يشبع الجائع حاجته بما فيها من جميع الألوان . وهنا دقيقة أحب ألّا تعزب عن علمك . وهي أن هذا الرّوض الربانىّ اليانع ( القرآن الكريم ) يقوم بين جمله وآية وسوره تناسب بارع ، وارتباط محكم ، وائتلاف بديع ، ينتهى إلى حدّ الإعجاز ، خصوصا إذا لاحظنا نزوله منجّما على السنين والشهور والأيام . قال الشيخ ولى الدين الملوي : « قد وهم من قال : لا يطلب للآى الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المفرّقة . وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا . فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ مرتّبة سوره ، كلها وآياته بالتوقيف كما أنزل جملة إلى بيت العزّة . ومن المعجز البيّن أسلوبه ونظمه الباهر ، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلّة ، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها ؟ ففي ذلك علم جمّ . وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له » : وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره لسورة البقرة ما نصّه : « ومن تأمّل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها ، علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه ، فهو معجز أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته ولعلّ الذين قالوا : إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك ، إلّا أنى رأيت