الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
74
مناهل العرفان في علوم القرآن
جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل : والنّجم تستصغر الأبصار رؤيته * والذنب للطرف لا للنّجم في الصّغر « الشبهة الثامنة » يقولون : إن محمدا كان عصبيا حادّ المزاج ، وكان مريضا بما يسمونه ( الهستريا ) فالوحي الذي كان يزعمه ما هو إلا أعراض لتلك الحال التي أصيب بها . والجواب : أن هذه فرية تدلّ على جهلهم الفاضح بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . فالمعروف عنه بشهادة التاريخ الصحيح ، والأدلّة القاطعة ، أنه كان صلّى اللّه عليه وسلّم وديعا ، صبورا حليما ، بل كان عظيم الصبر ، واسع الحلم ، فسيح الصدر حتى إنه وسع الناس جميعا ببسطه وخلقه . وكان شجاعا مقداما سليم الجسم ، صحيح البدن ، حتى إنه صارع ركانة المشهور بشجاعته فصرعه . وكان يثبت في الميدان حين يفرّ الشجعان ، ويفزع الخلق ويشتدّ الأمر ، ويقول : « أنا النبىّ لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب » ويقول : « إلىّ عباد اللّه » ولا يزال كذلك حتى ينقذ الموقف ويكسب المعركة . ولو أفضنا في هذا الموضوع لطال بنا الكلام ، ولكن موضعه كتب السيرة والشمائل المحمدية فارجع إليها إن شئت . . . أما مرض ( الهستريا ) الذي يصمونه صلّى اللّه عليه وسلّم كذبا به فهو داء عصبىّ عضال ، أكثر إصاباته في النساء . ومن أعراضه شذوذ في الخلق ، وضيق في التنفس ، واضطراب في الهضم . وقد يصل بصاحبه إلى شلل موضعي ، ثم إلى تشنّج ، ثم إلى إغماء ، ثم إلى هذيان مصحوب بحركة واضطراب في اليدين والرجلين ، وقفز من مكان إلى مكان . وقد يزعم المصاب أنه يرى أشباحا تهدّده ، وأعداء تحاربه أو أنه يسمع أصواتا تخاطبه ، على حين أنه لا وجود لشئ من ذلك كله في الحسّ والواقع .