الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
72
مناهل العرفان في علوم القرآن
كذا ، وتتركوا كذا ، ثم سكت الملك ولم يكذبه ، ثم لم يكتف الرجل بطهارة ماضيه ، وسكوت مليكه في ترويج دعوته ، وتأييد رسالته . بل قال إن آية صدقي أن يغيّر مولاي الملك عادته الآن ، ويخرج عن تقليد من تقاليده المعروفة لكم جميعا ، وذلك بأن يعرّى رأسه في هذا المجلس العام . ثم ما كاد ينتهى حتى عرّى المليك رأسه وخلع تاجه . أفلا يعتبر ذلك دليلا كافيا على صدق هذا الرجل وصدق ما جاء به ؟ ثم ما بالك إذا هو قد عزّز دليله بالتحدّى فقال : إني أتحدّاكم أن يجيبكم الملك إلى مثل ما أجابني إليه . فأخذوا يطلبون ويلحّون ، فلم يستجب لهم الملك ، ولم يغير عادته معهم ولا مرة واحدة . أفلا يكون ذلك برهانا أبلج من الصبح على أن هذا الداعي هو رسول هذا الملك حقا ؟ ثم ألا يكون المكذب بعد ذلك معاندا ومكابرا ، ويكون بالحيوان الذي لا يفهم ولا يعقل ؛ أشبه منه بالإنسان الذي يفهم ويعقل ؟ « أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ؛ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ » . وذلك المثل هو مثل رسل اللّه ، تؤيدهم معجزات اللّه . « وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . « الشبهة السابعة » يقولون : إن هذا الوحي الذي تدّعونه وتدّعون تنجيمه ، جاء بهذا القرآن غير مرتّب ولا منظّم ، فلم يفرد كلّ غرض من أغراضه بفصل أو باب ، شأن سائر الكتب المنظمة . بل مزجت أغراضه مزجا غيره مراعى فيه نظام التأليف ، فيبعد أن يكون وحيا من اللّه . وهذه الشبهة واردة كما ترى على تنجيم القرآن وترتيبه أيضا . والجواب : أن مخالفة القرآن لأنظمة الكتب المؤلفة لا تعتبر عيبا فيه ، ولا في وحيه وموحيه ، بل هي - على العكس - دليل مادّى ، على أنه ليس بكتاب وضعي بشرى ؛ يجلس إليه واضعه من الناس ؛ فيجعل لكل طائفة من معلوماته المتناسبة فصلا ، ولكل مجموعة من فصوله المتناسقة بابا ؛ بل هو مجموع إشراقات من الوحي الإلهى الأعلى . اقضتها الحكمة ودعت إليها المصلحة . على ما هو مفصّل في أسرار تنجيم القرآن .