الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

43

مناهل العرفان في علوم القرآن

ثم إن ما ذكرناه هو تحقيق ما نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم من القرآن ، وإن كان قد نزل عليه أيضا غير القرآن ؛ نقل السيوطي عن الجويني أنه قال : « كلام اللّه المنزل قسمان : ( قسم ) قال اللّه لجبريل : قل للنبي الذي أنت مرسل إليه : إن اللّه يقول افعل كذا وكذا ، وأمر بكذا وكذا ، ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبي ، وقال له ما قاله ربه . ولم تكن العبارة تلك العبارة ، كما يقول الملك لمن يثق به : قل لفلان يقول لك الملك : اجتهد في الخدمة ، واجمع جندك للقتال ، فان قال الرسول : يقول لك الملك : لا تتهاون في خدمتي ، ولا تترك الجند يتفرق ، وحثّهم على المقاتلة ، لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة . ( وقسم آخر ) قال اللّه لجبريل : اقرأ على النبي هذا الكتاب ، فنزل به جبريل من اللّه من غير تغيير ، كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ، ويقول اقرأه على فلان ، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا » ا ه . قال السيوطي بعد ذلك . قلت : القرآن هو القسم الثاني ، والقسم الأول هو السنّة . كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن ، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى لأن جبريل أداها بالمعنى . ولم تجز القراءة بالمعنى لأن جبريل أدّى القرآن باللفظ ، ولم يبح له أداؤه بالمعنى . والسرّ في ذلك أن المقصود منه التعبّد بلفظه والإعجاز به ، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه ، وأنّ تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة ، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه . والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين : قسم يروونه بلفظه الموحى به ، وقسم يروونه بالمعنى . ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشقّ ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف فتأمل ا ه . أقول وهذا كلام نفيس ، بيد أنه لا دليل أمامنا على أن جبريل كان يتصرف في الألفاظ الموحاة إليه في غير القرآن . وما ذكره الجويني فهو احتمال عقلي لا يكفى في هذا الباب . ثم إن هذا التقسيم خلا من قسيم ثالث للكتاب والسنة ، وهو الحديث القدسي الذي قاله الرسول صلّى اللّه عليه وسلم حاكيا عن اللّه تعالى ، فهو كلام اللّه تعالى أيضا ،