الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
526
مناهل العرفان في علوم القرآن
( أولها ) أن اللّه تعالى يقول : « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها » ويقول : « كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ » ويقول : « وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » . وجه الاستدلال أن اللّه تعالى حثّ على تدبر القرآن والاعتبار بآياته ، والاتعاظ بمواعظه . وهذا يدل على أن أولى الألباب بما لهم من العقل السليم واللب الصافي ، عليهم أن يتأولوا ما لم يستأثر اللّه بعلمه . إذ التدبر والاتعاظ فرع الفهم والتفقه في كتاب اللّه . والآية الكريمة تدل على أن في القرآن ما يستنبطه أي يستخرجه أولو الألباب والفهم الثاقب . ( ثانيها ) : أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال في دعائه لابن عباس : « اللّهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل » فلو كان التأويل مقصورا على السماع والنقل للفظ التنزيل لما كان هناك فائدة لتخصيصه . فدل على أن التأويل خلاف النقل . وإذن فهو التفسير بالاجتهاد والرأي . ( ثالثها ) لو كان التفسير بالرأي غير جائز لتعطل كثير من الأحكام . واللازم باطل . ووجه الملازمة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يذكر تفسير كل آية . والمجتهد مأجور وإن أخطأ ، ما دام أنه قد استفرغ وسعه ، ولم يهمل الوسائل الواجبة في الاجتهاد ، وكان غرضه الوصول إلى الحق والصواب . ويمكن أن يجعل الخلاف لفظيّا بأن يحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأي على التفسير بالرأي المستوفى لشروطه الماضية ؛ فإنه يكون حينئذ موافقا لكتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلّم وكلام العرب . وهذا جائز ليس بمذموم ولا منهى عنه . ثم يحمل كلام المانعين للتفسير بالرأي على ما فقدت شروطه السابقة ، فإنه يكون حينئذ مخالفا للأدلة الشرعية واللغة العربية . وهذا غير جائز بل هو محطّ النهى ومصبّ الذم . وعليه