الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

524

مناهل العرفان في علوم القرآن

( ثانيها ) أنهما محمولان على من قال في القرآن قولا وهو يعلم أن الحق خلافه ، كأصحاب المذاهب الفاسدة الذين يتأولون القرآن على وفق هواهم ليحتجّوا به على صحة آرائهم . ( ثالثها ) أنهما محمولان على قول من يأخذ بظاهر الكلام ، من غير أن يستند إلى نقل أو يكلف نفسه البحث عن مبهمات القرآن وما فيه من حذف وإضمار وتقديم وتأخير ونحو ذلك . . . فالنقل لا بد منه لكل مفسر ، كيلا يقع في الخطأ . أما التوسع في الفهم واستنباط صحيح الآراء فهو خطوة أخرى بعد النقل . لأن الأخذ بظاهر العربية وحده غير كاف ولا سديد . تأمل قوله سبحانه : « وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها » فإن معناه : وآتينا ثمود الناقة معجزة واضحة ، وبينة لائحة ، تدلهم على صدق صالح عليه الصلاة والسلام وصدق ما جاء به ، فظلموا بعقرها أنفسهم . والواقف عند ظاهر اللغة العربية يظن أن المراد من الإبصار نظر العين ، ولا يدرى بما ذا ظلموا ؟ ولا من ظلموا ؟ أظلموا أنفسهم أم غيرهم . هذه احتمالات في الحديثين . والدليل إذا تطرّق إليه الاحتمال ، سقط به الاستدلال . ويجاب عن حديث جندب زيادة على سابقه بأنه حديث لم تثبت صحته ، وعلى فرض صحته فإنه يحتمل أن يكون معناه : « فقد أخطأ طريق التماس المعنى » ذلك لأن السبيل في معرفة ألفاظ القرآن إنما هي اللغة وعلومها . والسبيل إلى معرفة أسباب نزوله وتمييز ناسخه ومنسوخه ونحو ذلك إنما هو النقل الصحيح . والسبيل إلى القطع بمراد اللّه إنما هو الوارد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن لم يظفر بوارد فلا بأس من أن يقيس ويجتهد ويستدل بما ورد على ما لم يرد . الدليل الثالث : ما ورد عن الصحابة والتابعين من أنهم كانوا يتحرّجون عن القول في القرآن بآرائهم . من ذلك ما روى عن الصديق رضى اللّه عنه أنه قال