الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
469
مناهل العرفان في علوم القرآن
( 1 ) أن شقيق بن سلمة يقول : « خطبنا عبد اللّه بن مسعود على المنبر فقال : « ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة » . غلوا مصاحفكم . « أي أخفوها حتى لا تحرق » وكيف تأمروننى أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت ، وقد قرأت من في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثله ؟ » رواه النسائي وأبو عوانة وابن أبي داود . ( 2 ) أن خير بن مالك يقول : « لما أمر بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد اللّه بن مسعود فقال : من استطاع أن يغلّ مصحفه « أي يخفيه حتى لا يحرق » فليفعل . وقال في آخره : أفأترك ما أخذت من في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ ( 3 ) أن الحاكم يروى من طريق أبى ميسرة قال : « رحت فإذا أنا بالأشعرى وحذيفة وابن مسعود . فقال ابن مسعود : « واللّه لا أدفعه يعنى مصحفه . أقرأني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » فذكره . ونجيب ( أولا ) بأن هذه الروايات لا تدل أبدا ، على عدم تواتر القراءات ولا على عدم تواتر ما جاء في مصحف عثمان . غاية ما تدل عليه أن ابن مسعود لم يوافق أول الأمر على إحراق مصحفه . وهذا لا ينقض تواتر ما جاء في مصحف عثمان . لأنه ليس من شرط التواتر على ما في مصحف عثمان أن يحرق ابن مسعود مصحفه ، ولا أن يحرق أحد مصحفه . بل المحقق للتواتر أن يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة . وهذا موجود في مصحف عثمان ، لأن ما فيه رواه ووافق عليه جموع عظيمة من الصحابة محال أن تكذب . وحسبك عثمان ودستوره في جمع القرآن . فارجع إليه إن شئت . ( ثانيا ) أنه على فرض مخالفة ابن مسعود لمصحف عثمان ، فإن هذه المخالفة لا تذهب بتواتر القرآن . لأن أركان التواتر متحققة في المصحف العثماني على رغم هذه المخالفة المفروضة ولم يقل أحد في الدنيا : إن من شرط التواتر ألا يخالف فيه مخالف حتى تكون مخالفة ابن مسعود لمصحف عثمان ناقضة لتواتر القرآن .