الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
460
مناهل العرفان في علوم القرآن
وهذا رأى قريب من الصواب ، لولا أنه لم يقصر نظره على ما هو الواقع القائم بيننا اليوم من القراءات ، ولم يطبق الحكم ولم يفصله فيه ، بل ساق الكلام عامّا كما ترى . والتحقيق هو ما ذهب إليه أبو الخير بن الجزري ، من أن القراءات العشر التي بين أيدينا اليوم متواترة دون غيرها . قال في منجد المقرئين ما يفيد أن الذي جمع في زمننا هذه الأركان الثلاثة ( أي في ذلك الضابط المشهور مع ملاحظة إبدال شرط صحة الإسناد بتواتره ) هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول . أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت إلى زماننا . فقراءة أحدهم كقراءة الباقين في كونها مقطوعا بها . أما قول من قال : إن القراءات المتواترة لا حدّ لها فإن أراد القراءات المعروفة في زماننا فغير صحيح ؛ لأنه لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء القراءات العشر . وإن أراد ما يشمل قراءات الصدر الأول فمحتمل . ثم إن غير المتواتر من القراءة على قسمين : ( القسم الأول ما صحّ سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ووافق العربية والرسم . وهذا ضربان : ضرب استفاض نقله وتلقته الأمة بالقبول ، كما انفرد به الرواة وبعض الكتب المعتبرة ، أو كمراتب القراء في المدّ ونحو ذلك ، فهذا صحيح مقطوع به وبأنه منزل من عند اللّه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الأحرف السبعة . وهذا الضرب يلحق بالقراءة المتواترة وإن لم يبلغ مبلغها ، لأنه من قبيل أخبار الآحاد التي احتفت بها قرائن تفيد العلم . والضرب الثاني لم تتلقه الأمة بالقبول ولم يستفض . وهذا فيه خلاف العلماء : منهم من يجوّز القراءة والصلاة به ، ومنهم من يمنع القراءة بما وراء العشرة منع تحريم لا كراهة . قال ابن السبكي في جمع الجوامع : « ولا تجوز القراءة بالشاذّ : والصحيح أن ما وراء العشرة فهو شاذ ، وفاقا للبغوي والشيخ الإمام » . ويريد بالشيخ الإمام والد مجتهد العصر أبا الحسن علي بن عبد الكافي السبكي .