الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
11
مناهل العرفان في علوم القرآن
إذا عرفت هذا الإطلاق الأول عند المتكلمين ، سهل عليك أن تعرف إطلاقهم الثاني للقرآن الكريم : وهو أنه تلك الكلمات الحكمية الأزلية المترتبة في غير تعاقب ، المجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية . وهو تعريف للقرآن كلام اللّه بما يشبه المعنى الحاصل بالمصدر لكلام البشر النفسي . ذانك إطلاقان اختص بهما المتكلمون كما رأيت . وهناك إطلاق ثالث للقرآن يقول به المتكلمون أيضا لكن يشاركهم فيه الأصوليون والفقهاء وعلماء العربية . ذلك أنه هو : « اللفظ المنزّل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس » الممتاز بخصائصه التي سنذكرها بعد قليل . فهو مظاهر وصور لتلك الكلمات الحكميّة الأزلية ، التي أشرنا إليها آنفا ويطلق القرآن إطلاقا رابعا على النقوش المرقومة بين دفّتى المصحف ، باعتبار أن النقوش دالة على الصفة القديمة ، والكلمات الغيبية ، واللفظ المنزل . وهذا إطلاق شرعي عام . ولنضرب لك مثلا يوضح ذلك المقام الذي ضلّت فيه الأفهام ، وزلّت فيه الأقدام . رجل شاعر ، كشرف الدين البوصيري رحمه اللّه - لا ريب أنه كان يحمل في نفسه قوّة شاعرة ، يسطيع أن يصوغ بها ما شاء من غرر القصائد ، وعندما اتجهت شاعريّته فعلا ، أن يمتدح أفضل الخليقة صلوات اللّه وسلامه عليه بقصيدته المعروفة بالهمزيّة ، لا شك أنه عالج النظم في نفسه ، واستحضر المعاني والألفاظ والأوزان ، حتى تمثل له ذلك القصيد في نفسه وتأثرت نفسه به ، على وجه إذا تكلم به بصوت حسى كان عين نظمه المقفّى الموزون . ثم لا شك أنه نطق بقصيده بعد ، ثم كتبه بعد أن أنشده . فهذا الاسم الشهير بالهمزية في مدح خير البرية ، يمكن أن نقرب