الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
263
مناهل العرفان في علوم القرآن
وإبقاء التشريع على قراءته وقرآنيته من غير نسخ . وذلك على أن المراد من النسيان المحو التامّ من الذاكرة . أما إن أريد به غيبة الذهن عنه فقد سبق القول فيه قريبا . ولا تحسبن أن دواعي سهو الرسول ونسيانه تنال من مقامه ، فإنها دواع شريفة على حدّ ما قيل : « يا سائلى عن رسول اللّه كيف سها ؟ * والسهو من كل قلب غافل لاهى سها عن كل شئ سرّه ، فسها * عما سوى اللّه ، فالتعظيم للّه ( 3 و 4 ) وأما احتجاجهم الثالث والرابع بأن الصحابة قد حذفوا من القرآن عند جمعه ما رأوا المصلحة في حذفه ، ومنه آية المتعة وصيغة القنوت ، فهو احتجاج باطل قائم على إهمال النصوص الصحيحة المتضافرة على أن الصحابة رضوان اللّه عليهم كانوا أحرص الناس على الاحتياط للقرآن ، وكانوا أيقظ الخلق في حراسة القرآن ، ولهذا لم يعتبروا من القرآن إلا ما ثبت بالتواتر ، وردّوا كل ما لم يثبت تواتره لأنه غير قطعي ويأبى عليهم دينهم وعقلهم أن يقولوا بقرآنية ما ليس بقطعى . وقد سبق لك ما وضعوه من الدساتير المحكمة الرشيدة في كتابة الصحف على عهد أبى بكر ، وكتابة المصاحف على عهد عثمان . فارجع إليها إن شئت لتعرف مدى إمعان هؤلاء المبطلين في التجنّى والضلال . وإذا كان هؤلاء الطاعنون يريدون أن يلمزوا الصحابة ويعيبوهم بهذه الحيطة البالغة لكتاب اللّه ، حتى أسقطوا ما لم يتواتر ، وما لم يكن في العرضة الأخيرة ، وما نسخت تلاوته وكان يقرؤه من لم يبلغه النسخ ، نقول : إذا كانوا يريدون أن يلمزوا الصحابة والقرآن بذلك ، فالأولى لهم أن يلمزوا أنفسهم وأن يواروا سوأتهم . لأن المسلمين كانوا ولا يزالون أكرم على أنفسهم من أن يقولوا في كتاب اللّه بغير علم ، وأن ينسبوا إلى اللّه ما لم تقم عليه حجة قاطعة ، وأن يسلكوا بالقرآن مسلك الكتب المحرفة والأناجيل المبدلة .