الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
252
مناهل العرفان في علوم القرآن
يكتبوه بالرسمين في مصحف واحد خشية أن يتوهّم أن اللفظ نزل مكررا بالوجهين في قراءة واحدة ، وليس كذلك . بل هما قراءتان نزل اللفظ في إحداهما بوجه واحد ، وفي الثانية بوجه آخر من غير تكرار في واحدة منهما . وكذلك كانوا يتحاشون أن يكتبوا هذا اللفظ في مصحف واحد برسمين : أحدهما في الأصل والآخر في الحاشية ، لئلا يتوهم أن الثاني تصحيح للأول . أضف إلى ذلك أن كتابة أحدهما في الأصل والآخر في الحاشية دون العكس تحكّم ، أو ترجيح بلا مرجّح وذلك نحو كلمة ( وصّى ) بالتضعيف و ( أوصى ) بالهمز كما سبق . أما اللفظ الذي تختلف فيه القراءات ، ويدلّ عليه الرسم بصورة واحدة تحتمل هذا الاختلاف ويساعدهم عليه ترك الإعجام والشكل نحو « فتبيّنوا » « وننشرها » كما سلف بيانه ، فتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين ، شبيهة بدلالة المشترك اللفظي على كلا المعنيين المعقولين . والذي دعا الصحابة إلى انتهاج هذه الخطّة في رسم المصاحف وكتابتها أنهم تلقوا القرآن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بجميع وجوه قراءاته ، وبكافة حروفه التي نزل عليها ، فكانت هذه الطريقة أدبى إلى الإحاطة بالقرآن على وجوهه كلها ، حتى لا يقال : إنهم أسقطوا شيئا من قراءاته ، أو منعوا أحدا من القراءة بأىّ حرف شاء ؛ على حين أنها كلها منقولة نقلا متواترا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « فأىّ ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا » وكان من الدستور الذي وضعه عثمان رضى اللّه عنه لهم في هذا الجمع أيضا أنه قال لهؤلاء القرشيين « إذا اختلفتم أنتم وزيد ابن ثابت في شئ من القرآن ، فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم » ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة ؛ وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق .