الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

253

مناهل العرفان في علوم القرآن

وفي ذلك يروى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه ، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيّة وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى . فأرسل عثمان إلى حفصة : أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ، ثمّ نردها إليك . فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد ابن ثابت ، وعبد اللّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام ، فنسخوها في المصاحف . وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : « إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم ، ففعلوا . حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة ، فأرسل إلى كلّ أفق بمصحف مما نسخوا . وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق » ا ه . تحريق عثمان للمصاحف والصحف المخالفة : بعد أن أتم عثمان نسخ المصاحف بالصورة السابقة ، عمل على إرسالها وإنفاذها إلى الأقطار ، وأمر أن يحرق كلّ ما عداها مما يخالفها ، سواءً كانت صحفا أم مصاحف . وذلك ليقطع عرق النزاع من ناحية ، وليحمل المسلمين على الجادّة في كتاب اللّه من ناحية أخرى ، فلا يأخذوا إلا بتلك المصاحف التي توافر فيها من المزايا ما لم يتوافر في غيرها . وهذه المزايا هي : ( 1 ) الاقتصار على ما ثبت بالتواتر ، دون ما كانت روايته آحادا . ( 2 ) وإهمال ما نسخت تلاوته ولم يستقرّ في العرضة الأخيرة .