الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
248
مناهل العرفان في علوم القرآن
أنها تثبت أن عليّا أو بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف . لكنها لا تعطى هذا المصحف تلك الصفة الإجماعية ، ولا تخلع عليه تلك المزايا التي للصحف أو المصحف المجموع في عهد أبى بكر . بل هي مصاحف فردية ، ليست لها تلك الثقة ولا هذه المزايا . وإذا كانت قد سبقت في الوجود وتقدّم بها الزمان فإن جمع أبى بكر هو الأول من نوعه على كل حال . وقد اعترف علي بن أبي طالب نفسه بهذه الحقيقة في الحديث الذي أخرجه ابن أبي داود في المصاحف سند حسن آنفا إذ قال : « أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر ، رحمة اللّه على أبى بكر ، هو أول من جمع كتاب اللّه » . فهذا اعتراف صريح من أبى الحسن بالأولية لجمع أبى بكر على النحو الآنف . رضوان اللّه عليهم أجمعين . جمع القرآن على عهد عثمان رضى اللّه عنه اتسعت الفتوحات في زمن عثمان ، واستبحر العمران ، وتفرّق المسلمون في الأمصار والأقطار ، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن . وطال عهد الناس بالرسول والوحي والتنزيل . وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام ، يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة ، فأهل الشام يقرءون بقراءة أبىّ بن كعب ، وأهل الكوفة يقرءون بقراءة عبد اللّه بن مسعود ، وغيرهم يقرأ بقراءة أبى موسى الأشعري . فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة ، بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن ، اشتبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف بل كان هذا الشقاق أشد ؛ لبعد عهد هؤلاء بالنبوّة ، وعدم وجود الرسول بينهم ، يطمئنون إلى حكمه ، ويصدرون جميعا عن رأيه . واستفحل الداء حتى كفّر بعضهم بعضا ، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير . ولم يقف هذا الطغيان عند حدّ ،