الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
249
مناهل العرفان في علوم القرآن
بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية حتى الحجاز والمدينة ، وأصاب الصغار والكبار على سواء . أخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق أبى قلابة أنه قال : « لما كانت خلافة عثمان ، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلّم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلّمين ، حتى كفّر بعضهم بعضا ، فبلغ ذلك عثمان ، فخطب فقال : « أنتم عندي تختلفون ، فمن نأى عنى من الأمصار أشدّ اختلافا » . وصدق عثمان ، فقد كانت الأمصار النائية أشدّ اختلافا ونزاعا من المدينة والحجاز . وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار إذا جمعتهم المجامع ، أو التقوا على جهاد أعدائهم ، يعجبون من ذلك . وكانوا يمنعون في التعجب والإنكار ، كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن . وتأدى بهم التعجب إلى الشكّ والمداجاة ، ثم إلى التأثيم والملاحاة . وتيقظت الفتنة التي كادت تطيح فيها الرؤوس ، وتسفك الدماء ، وتقود المسلمين إلى مثل اختلاف اليهود والنصارى في كتابهم . كما قال حذيفة لعثمان في الحديث الآتي قريبا . أضف إلى ذلك أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن لم تكن معروفة لأهل تلك الأمصار ، ولم يكن من السهل عليهم أن يعرفوها كلها ، حتى يتحاكموا إليها فيما يختلفون . إنما كان كل صحابي في إقليم ، يقرئهم بما يعرف فقط من الحروف التي نزل عليها القرآن . ولم يكن بين أيديهم مصحف جامع يرجعون إليه فيما شجر بينهم من هذا الخلاف والشقاق البعيد . لهذه الأسباب والأحداث ، رأى عثمان بثاقب رأيه ، وصادق نظره ، أن يتدارك الخرق قبل أن يتسع على الرافع ، وأن يستأصل الداء ، قبل أن يعزّ الدواء ، فجمع أعلام