الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
234
مناهل العرفان في علوم القرآن
إِلَيْكَ وَحْيُهُ ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » . ومن هنا كان صلّى اللّه عليه وسلّم جامع القرآن في قلبه الشريف ، وسيد الحفاظ في عصره المنيف . ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه ، وكان يحيى به الليل ويزين الصلاة . وكان جبريل يعارضه إياه في كل عام مرة . وعارضه إياه في العام الأخير مرتين . قالت عائشة وفاطمة رضى اللّه عنهما : « سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : إن جبريل كان يعارضني القرآن في كلّ سنة مرّة ، وإنه عارضني العام مرتين ، ولا أراه إلّا حضر أجلى » . وأما الصحابة رضوان اللّه عليهم ، فقد كان كتاب اللّه في المحل الأول من عنايتهم . يتنافسون في استظهاره وحفظه . ويتسابقون إلى مدارسته وتفهمه . ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه . وربما كانت قرة عين السيدة منهم أن يكون مهرها في زواجها سورة من القرآن يعلمها إياها زوجها . وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود ، إيثارا للذة القيام به في الليل ، والتلاوة له في الأسحار ، والصلاة به والناس نيام ، حتى لقد كان الذي يمرّ ببيوت الصحابة في غسق الدّجى ، يسمع فيها دويّا كدويّ النحل بالقرآن . وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يذكى فيهم روح هذه العناية بالتنزيل ، يبلغهم ما أنزل إليه من ربه . ويبعث إلى من كان بعيد الدار منهم من يعلمهم ويقرئهم ، كما بعث مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته ، يعلمانهم الإسلام ، ويقرءانهم القرآن ، وكما أرسل معاذ بن جبل إلى مكة بعد هجرته للتحفيظ والإقراء . قال عبادة بن الصامت رضى اللّه عنه : « كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى رجل منا يعلمه القرآن ، وكان يسمع لمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ضجّة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول اللّه أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا » .