الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

216

مناهل العرفان في علوم القرآن

ذلك أن القسم بها كما قلنا ، إشارة إلى الأسرار العظيمة التي وضعها اللّه في تلك الأمور التي أقسم بها . حتى صحّ أن يكون مقسما بها . وتلك الأسرار لا يدركها إلا اللبيب ، لأنها غير مشروحة ولا مفسرة في القرآن الكريم ، فلا يفهمها إلا من كمل عقله ، وسلّم ذوقه . ولنشرح لك بعض الأسرار ، ليتبين الحال ، ولا يبقى للشبهة مجال . ( المثال الأول ) أقسم اللّه سبحانه بالضحى والليل في قوله : « وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » وسبب نزول هذه الآيات : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتر عنه الوحي مرة لا ينزل بقرآن ، فرماه أعداؤه بأن ربه ودعه وقلاه ؟ أي تركه وأبغضه ، فنزلت هذه الآيات مصدرة بهذا القسم ، مشيرة إلى أن ما كان من سطوع الوحي على قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم بمنزلة الضحى ، تقوى به الحياة ، وتنمى به الناميات ، وما عرض بعد ذلك من فترة الوحي فهو بمنزلة الليل إذا سجى ، لتستريح فيه القوى وتستعدّ فيه النفوس لما يستقبلها من العمل . ومن المعلوم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لاقى من الوحي شدة أول أمره حتى جاء إلى خديجة رضى اللّه عنها ترجف بوادره ، كما هو معروف في حديث الصحيحين . فكانت فترة الوحي لتثبيته عليه الصلاة والسلام ، وتقوية نفسه على احتمال ما يتوالى عليه منه حتى تتمّ به حكمة اللّه في إرساله إلى الخلق . ولهذا قال له . « وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى » أي إن كرّة الوحي ثانيا سيكمل بها الدين ، وتتمّ بها نعمة اللّه على أهله ، وأين بداية الوحي من نهايته ؟ وأين إجمال الدين الذي جاء في قوله « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ » الخ من تفصيل العقائد والأحكام الذي جاء في مثاني القرآن ؟ ثم زاد الآمر تأكيدا بقوله « وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » . فمن هذا نعلم أن الحلف بالضحى والليل في هذا المقام ، ليس مجرد تذكير