الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

217

مناهل العرفان في علوم القرآن

بآياته ونعمه فحسب . بل هو أيضا إقامة دليل على أن تنزّل الوحي أشبه بضحوة النهار ، وأن فترة الوحي أشبه بهدأة الليل ، فإذا كانوا يتقبلون الضحى والليل بالرضا والتسليم ، لما فيهما من نفع الإنسان بالسعي والحركة والحياة بالنهار ، والنوم والاستحمام بالليل ، يجب أن يتقبلوا أيضا ما يجرى على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من نزول الوحي وفترته للمعنى الذي سلف ( المثال الثاني ) أقسم اللّه سبحانه بالتين والزيتون في قوله جل ذكره : « وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ * وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ » قال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده عند تفسيره لهذه السورة ما نصّه : وقد يرجح أنهما ( أي التين والزيتون ) النوعان من الشجر ، ولكن لا لفوائدهما كما ذكروا ، بل لما يذكّران به من الحوادث العظيمة التي لها الآثار الباقية في أحوال البشر . قال صاحب هذا القول : إن اللّه تعالى أراد أن يذكرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطويل ، فإنه كان يستظلّ في تلك الجنة التي كان فيها بورق التين ، وعندما بدت له ولزوجته سوآتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التين . ( والزيتون ) إشارة إلى عهد نوح عليه السلام وذريته ، وذلك أنه بعد أن فسد البشر وأهلك من أهلك منه بالطوفان ، ونجى نوح في سفينته ، واستقرت السفينة ، نظر نوح إلى ما حوله ، فرأى المياه لا تزال تغطي وجه الأرض ، فأرسل بعض الطيور لعله يأتي إليه بخبر انكشاف الماء عن بعض الأرض ، فغاب ولم يأت بخبر ، فأرسل طيرا آخر فرجع إليه يحمل ورقة من شجر الزيتون ، فاستبشر وسرّ ، وعرف أن غضب اللّه قد سكن ، وقد أذن للأرض أن تعمر ، ثم كان منه ومن أولاده تجديد القبائل البشرية العظيمة في الأرض التي امّحى عمرانها ، فعبر عن ذلك الزمن بزمن الزيتون . والإقسام هنا بالزيتون للتذكير بتلك الحادثة وهي من أكبر ما يذكر من الحوادث . ( وَطُورِ سِينِينَ ) إشارة إلى عهد الشريعة الموسوية ، وظهور نور التوحيد في العالم ،