الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
215
مناهل العرفان في علوم القرآن
وتارة يختار طريقة الحلف والقسم لأن في الحلف والقسم معنى العظمة التي أودعها اللّه في هذه النعم دالة على توحيده وعظمته ، حتى صحّ أن يدور القسم عليها ، وأن يجيء الحلف بها . ومن هنا أقسم اللّه بما أقسم من الأمور الحسية والمعنوية ، فالأمور الحسية كما ذكرنا ، والمعنوية مثل القرآن الكريم في قوله سبحانه : « وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » لينبّههم إلى مدى إنعامه عليهم بتلك الأقسام كلها ، حسّيها ومعنويّها ، فيرعووا عن شركهم بتلك الآلهة المزيفة التي لا تملك ضرّا ولا نفعا ، وليس لها أىّ شأن في هذا الخلق . على حدّ قوله سبحانه في سورة الأحقاف : « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ؟ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ . وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً ، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ » . وأنت خبير بأن المصاب بداء الشرك لا سبيل إلى إنقاذه منه إلا بمثل هذه الطريقة المثلى ، التي سلكها القرآن بعرض دلائل التوحيد من آيات اللّه في الآفاق على أنظار المشركين ، وهذا سبيل متعين في خطاب كل مشرك ولو كان واحد الفلاسفة ، ووحيد العباقرة ، وأستاذ المثقفين والمستنيرين . فحلف القرآن بأمثال هاتيك المخلوقات والحسيات ، ليس دالّا على سذاجة المخاطبين وانحطاطهم ، وليس بالتالي سبيلا إلى الطعن في القرآن بأنه كلام محمد المتأثر بانحطاط البيئة المكية كما يرجفون : « إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ » . ( ثالثا ) أن في مضامين تلك الأقسام بالحسيات أسرارا تنأى بها عن السذاجة والبساطة وتشهد ببراعة المخاطبين بها وتفوّقهم في الفهم والذكاء والفصاحة والبيان .