الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

214

مناهل العرفان في علوم القرآن

فقد تأثر القرآن بهذا الوسط الراقي الجديد ، وخلا من تلك الأيمان الحسية الدالة على البساطة والسذاجة . وهذه الشبهة مدفوعة « أولا » : بما قدّمنا من أن أهل مكة كانوا أرقى ذوقا ، وأعلى كعبا ، وأعظم ذكاء ، من أهل المدينة ، وأن الخطاب معهم كان ملحوظا فيه اشتماله على أسرار وخصائص لا يدركها إلا المتفوّقون والمتمهّرون في صناعة البيان ، فلا يستقيم إذن ما زعموه من أن مدارك أهل مكة كانت لا تعدو حدود الحسيّات . والتاريخ خير شاهد ، وأعدل حاكم بامتياز العرب في مكة عن سائر القبائل على عهد نزول القرآن . ( ثانيا ) أن القسم بالأمور الحسية في القرآن كالضحى والليل ، ليس منشؤه انحطاط القوم كما يزعمون ، إنما منشؤه رعاية مقتضى الحال فيما سيق القسم لأجله ، وذلك أن القرآن كان بصدد علاج أفحش العقائد فيهم ، وهي عقيدة الشرك . ولا سبيل إلى استئصال هذه العقيدة ، وإقامة صرح التوحيد على أنقاضها ، إلا بلفت عقولهم إلى ما في الكون من شؤون اللّه وخلق اللّه ، وإلا بفتح عيونهم على طائفة كبيرة من نعم الخلق المحيطة بهم ، ليصلوا من وراء ذلك إلى أن يؤمنوا باللّه وحده ، ما دام هو الخالق وحده ، لأنه لا يستحق العبادة عقلا ، إلا من كان له أثر الخلق في العالم فعلا . « أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ ؟ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » ؟ . فعرض بعض المخلوقات على أنظار الجاحدين بالتوحيد ، بعد إقرارهم أن ليس لها خالق إلا اللّه ، إلزام لهم بطرح الشرك ، وتوحيد الخالق . وهذا مطمح نبيل ، أجاد القرآن في أساليب عرض نعم اللّه عليهم من أجله ، وكان في إجادته هذه موفيا على الغاية ، وأصلا إلى قمة الإعجاز كعادته ، متفننا في ذكر النعم ، منوعا في سردها وبيانها . فمرّة يحدّث عن خلق السماء ، ومرة عن خلق الأرض ، وثالثة عن أنفسهم ، ورابعة عن أنواع الحيوان والنبات والجماد ، وهلم جرّا . وتارة يختار القرآن في عرضه طريقة السرد والشرح ،