الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
212
مناهل العرفان في علوم القرآن
ليست من موضوع الاشتباه ، ولا يختلف اثنان في أنها أكثر من مثيلاتها في السور المدنية بأضعاف الأضعاف . ( ثانيا ) - أن كثرة التفاصيل في تشريع الأحكام بالمدينة ، ليس نتيجة لما زعموه . إنما هو أمر لا بدّ منه في سياسة الأمم ، وتربية الشعوب ، وهداية الخلق . ذلك أن الطفرة حليفة الخيبة والفشل ، والتدرّج حليف التوفيق والنجاح ، وتقديم الأهمّ على المهمّ واجب في نظر الحكمة . لهذا بدأ اللّه عباده في مكة بما هو أهمّ : بدأهم بإصلاح القلوب وتطهيرها من الشرك والوثنية ، وتقويمها بعقائد الإيمان الصحيح والتوحيد الواضح ، حتى إذا استقاموا على هذا المبدأ القويم ، وشعروا بمسئولية البعث والجزاء ، وتقرّرت فيهم هذه العقائد الراشدة ، فطمهم عن أقبح العادات وأرذل الأخلاق ، وقادهم إلى أصول الآداب وفضائل العادات ، ثم كلفهم ما لا بدّ منه من أمهات العبادات . وهذا ما كان في مكة . ولما مرنوا على ذلك ، وتهيأت نفوسهم للترقى والكمال ، بتطاول الأيام والسنين ، وكانوا وقتئذ قد هاجروا إلى المدينة ، جاءهم بتفاصيل التشريع والأحكام ، وأتم عليهم نعمته ببيان دقائق الدين وقوانين الإسلام . ونظير ذلك ما تواضع عليه الناس قديما وحديثا في سياسة التعليم ، من أنهم يلقنون البادئين في مراحل التعليم الأولى أخفّ المسائل وأوجزها ؛ فيما يشبه قصار السور ، ومختصر القصص ، حتى إذا تقدّمت بهم السن وعظم الاستعداد ، تلاطم بحر التعليم وزاد ، على حدّ قولهم . « الإمداد على قدر الاستعداد » . أما ما زعموه من أن ذلك كان نتيجة لاختلاط محمد بأهل المدينة المستنيرين ؛ فينقضه أن القرآن جاء يصلح عقائد أهل الكتاب وأخطاءهم في التشريع وفي التحليل والتحريم ، وفي الأخبار والتواريخ ، فكيف يأخذ المصيب من المخطئ ؟ وهل