الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
204
مناهل العرفان في علوم القرآن
أما السور والآيات التي اعتمدت عليها الشبهة ، فلا تدلّ على ذلك السباب الذي زعموه ووصموا به القرآن الكريم ، لأن سورة « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ » غاية ما اشتملت عليه أنها إنذار ووعيد لأبى لهب وامرأته ، جزاء ما أساء إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وصحبه ، كما يدلّ على ذلك سبب نزولها : أخرج الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عباس قال : لما نزلت « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ » صعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الصفا فجعل ينادى : يا بنى فهر يا بنى عدىّ ، لبطون قريش حتى اجتمعوا . فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو ؟ فجاء أبو لهب وقريش ، فقال صلى اللّه عليه وسلّم : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقىّ ؟ قالوا : نعم ما جرّ بنا عليك إلا صدقا ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تبّا لك ، ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت . وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن زيد أن امرأة أبى لهب كانت تأتى بأغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق الرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وروى عن مجاهد أنها كانت تمشى بالنميمة . فهذه الأسباب مجتمعة تفيد أن السورة نزلت لمقابلة أبى لهب بما يستحقّ من إنذاره بالهلاك والقطيعة ، وأن ماله لا ينفعه ولا كسبه ، وأنه خاسر هو وامرأته ، وأن مصيرهما إلى النار وبئس القرار . ولا ريب أن في هذا الوعيد العنيف ردعا له ولأمثاله ، وتسلية لمن أصيب بأذاهم من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه . وذلك هو اللائق بالعدالة الإلهية ، والتربية الحكيمة الربانية . « ووضع الندى في موضع السيف بالعلا * مضرّ كوضع السيف في موضع الندى » وأما سورة « والعصر » فليس فيها سباب ولا ما يشبه السباب . وكل ما عرضت له