الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

205

مناهل العرفان في علوم القرآن

أنها جعلت الناس قسمين : قسما غريقا في الخسران ، وقسما فاز ونجا من هذا الخسران ، وهم الذين جمعوا عناصر السعادة الأربعة . اقرأ قوله سبحانه : « وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » فهل ترى فيها ظلّا للسباب والإقذاع ؟ ولكن القوم لا يستحون ! . وأما سورة « أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ » : فمبلغ ما تشير إليه ، أن المخاطبين شغلتهم الدنيا عن الدين ، وألهتهم الأموال عن رب الأموال ، حتى انتهت أعمارهم وهم على هذه الحال . وغدا يسألون عن هذا النعيم ، ويعاقبون على إهمال شكره بعذاب الجحيم . وأما قوله سبحانه : « فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ » ، فهو حكاية لما حلّ بالأمم السابقة كثمود وعاد ، حين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد ، ليكون من هذا القصص والخبر ، عبرة لأولئك الكفار ومزدجر ، فلا يقعوا فيما وقع فيه أسلافهم ، لأن سنّة اللّه واحدة في الأمم ، وميزان عدالته قائم في كل جيل وقبيل . « أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ ، أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ » . الخلاصة والخلاصة أن القرآن كله قام على رعاية حال المخاطبين ، فتارة يشتدّ وتارة يلين ، تبعا لما يقتضيه حالهم ، سواء منهم مكيّهم ومدنيّهم ، بدليل أنك تجد بين ثنايا السور المكّية والمدنية ، ما هو وعد ووعيد وتسامح وتشديد ، وأخذ وردّ ، وجذب وشدّ ، كما سبق لك في الأمثلة والشواهد الكثيرة . وإذا لوحظ أن أهل مكة كثر خطابهم بالشدّة والعنف ، فذلك لما مردوا عليه من أذى الرسول وأصحابه والكيد لهم حتى أخرجوهم من أوطانهم . ولم يكتفوا بذلك بل أرسلوا إليهم الأذى في مهاجرهم .