الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
183
مناهل العرفان في علوم القرآن
قد داوروا بينهم لغات العرب جميعا وتداولوها ، وأخذوا ما استملحوه من هؤلاء وهؤلاء في الأسواق العربية ومواسمها ، وأيامها ووقائعها ، وحجها وعمرتها ثم استعملوه وأذاعوه ، بعد أن هذّبوه وصقّلوه . وبهذا كانت لغة قريش مجمع لغات مختارة منتقاة من بين لغات القبائل كافّة . وكان هذا سببا من أسباب انتهاء الزعامة إليهم ، واجتماع أوزاع العرب عليهم . ومن هنا شاءت حكمة الحكيم للعليم أن يطلع عليهم القرآن من هذا الأفق ، وأن يطلّ عليهم من هذه السماء سماء قريش ولغتها التي أعطوها مقادتهم ، وولوا شطرها وجوههم ، فخاطبهم بهذا اللسان العام لهم ، ليضمّ نشرهم ، ولينظم نثرهم . وقد تمّ له ما أراد بهذه السياسة الرشيدة التي جاءتهم بالإعجاز البياني عن طريق اللغة التي انتهت إليها أفصح اللغات ، وباللسان الذي خضعت له وتمثلت فيه كافة الألسنة العربية ولو نزل القرآن بغير لغة قريش هذه لكان مثار مشاحنات وعصبيات ، ولذهب أهل كل قبيلة بلغتهم ولعلا بعضهم على بعض ، ولما اجتمع عليه العرب أبدا . بل لو نزل القرآن بغير لغة قريش لراجت شبهتهم وافتراؤهم عليه أنه سحر وكهانة وما إليهما ، نظرا إلى أنه قد دخل عليهم من غير بابهم فلا يستطيعون القضاء فيه ، ولا إدراك الفوارق البعيدة بينه وبين الحديث النبوي ، مما يجعلهم يذوقون الإعجاز ويلمسونه ، كما تذوقوه بوضوح حين نزل بلسانهم . « إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » . ( الشبهة الرابعة ) : يقولون : إنه لا معنى للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن إلا تلك القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة المعروفين عند القراء . والجواب : أن هذه شبهة تعرض كثيرا للعامة ومن في حكمهم ممن لم يأخذوا من علوم