الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

182

مناهل العرفان في علوم القرآن

على اختلافها ، ما هي إلا ألفاظ متوافقة مفاهيمها ، متساندة معانيها لا تخاذل بينها ولا تهافت ، ولا تضادّ ولا تناقض ، ليس فيها معنى يخالف معنى آخر على وجه ينفيه ويناقضه ، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضدّها . وتلك الأحاديث بهذا الوجه ، تقرير لأن جميع الحروف نازلة من عند اللّه « وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » . وهاك برهانا آخر ذكره صاحب التبيان في مثل هذا المقام إذ يقول : « إنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم علم البراء بن عازب دعاء فيه هذه الكلمة « ونبيّك الّذى أرسلت » فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ورسولك الّذى أرسلت » فلم يوافقه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك ، بل قال له : « لا . ونبيّك الّذى أرسلت » . وهكذا نهاه عليه الصلاة السلام أن يضع لفظة رسول ، موضع لفظة نبي ، مع أن كليهما حقّ لا يحيل معنى ، إذ هو صلّى اللّه عليه وسلّم رسول ونبىّ معا . ثم قال : فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا : إنه عليه الصلاة السلام كان يجيز أن يوضع في القرآن الكريم مكان عزيز حكيم ، غفور رحيم ، أو سميع عليم . وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا ، واللّه يقول مخبرا عن نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي » ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى » ا ه بتصرف قليل . ( الشبهة الثالثة ) : يقولون : إن نزول القرآن على سبعة أحرف ، ينافي ما هو مقرّر من أن القرآن نزل بلغة قريش وحدها ، ثم إنه يؤدى إلى ضياع الوحدة التي يجب أن تسود الأمة الواحدة بسبب اجتماعها على لسان واحد . والجواب : أنه لا منافاة ، ولا ضياع للوحدة ، فإن الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن الكريم واقعة كلها في لغة قريش . ذلك أن قريشا كانوا قبل مهبط الوحي والتنزيل ،