الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

142

مناهل العرفان في علوم القرآن

وسكون اللام في لفظ ( وَمُلْكاً كَبِيراً » وجاءت قراءة أخرى بفتح الميم وكسر اللام في هذا اللفظ نفسه فرفعت هذه القراءة الثانية نقاب الخفاء عن وجه الحق في عقيدة رؤية المؤمنين للّه تعالى في الآخرة ، لأنه سبحانه هو الملك وحده في تلك الدار « لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ » . والخلاصة : أن تنوّع القراءات ، يقوم مقام تعدّد الآيات . وذلك ضرب من ضروب البلاغة ، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز وينتهى إلى كمال الإعجاز . أضف إلى ذلك ما في تنوّع القراءات من البراهين الساطعة ، والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام اللّه ، وعلى صدق من جاء به وهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدى إلى تناقض في المقروء وتضاد ، ولا إلى تهافت وتخاذل ، بل القرآن كله على تنوّع قراءته ، يصدّق بعضه بعضا ، ويبين بعضه بعضا ، ويشهد بعضه لبعض ، على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير ، وهدف واحد من سموّ الهداية والتعليم . وذلك - من غير شك - يفيد تعدّد لإعجاز بتعدّد القراءات والحروف . ومعنى هذا أن القرآن يعجز إذا قرئ بهذه القراءة ، ويعجز أيضا إذا قرئ بهذه القراءة الثانية ، ويعجز أيضا إذا قرئ بهذه القراءة الثالثة ، وهلمّ جرا . ومن هنا تتعدّد المعجزات بتعدّد تلك الوجوه والحروف ! . ولا ريب أن ذلك أدلّ على صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه أعظم في اشتمال القرآن على مناح جمة في الإعجاز وفي البيان ، على كل حرف ووجه ، وبكل لهجة ولسان . « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ » . ( الشاهد الثاني ) أن مرّات استزادة الرسول للتيسير على أمته ، كانت ستا غير الحرف الذي أقرأه أمين الوحي عليه أول مرة فتلك سبعة كاملة بمنطوقها ومفهومها