الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

143

مناهل العرفان في علوم القرآن

تأمل حديث ابن عباس السابق وقول الرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه : « أقرأني جبريل على حرف ، فراجعته ، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى بلغ سبعة أحرف » وكذلك جاء في حديث لأبى بكرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة » ، يضاف إلى ذلك المراجعات الثابتة في الأحاديث الأخرى ، وإن كانت لم تبلغ ستّا صراحة ، غير أن الحديث جاء بلفظ السبعة ، فيعلم من مجموع تلك الروايات ، أنّ المراد بلفظ سبعة حقيقة العدد المعروف في الآحاد بين الستة والثمانية . ( الشاهد الثالث ) أن من قرأ حرفا من هذه الحروف ، فقد أصاب شاكلة الصواب أيا كان ذلك الحرف ، كما يدلّ عليه فيما مضى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا ) و قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لكل من المختلفين في القراءة : ( أصبت ) و قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لهما في رواية ابن مسعود : ( كلا كما محسن ) وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه عمرو ابن العاص : ( فأىّ ذلك قرأتم أصبتم ) . وعدم موافقته صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر ، وأبىّ ، وابن مسعود ، وعمرو بن العاص ، على معارضة مخالفيهم بالطرق الآنفة في الأحاديث السالفة . ودفعه في صدر أبىّ حين استصعب عليه أن يقرّ هذا الاختلاف في القراءة . ولا ريب أن ذلك كله فيه معنى النهى البالغ عن منع أي أحد من القراءة بأي حرف من الأحرف السبعة النازلة . ( الشاهد الرابع ) : أن القراءات كلها على اختلافها كلام اللّه ، لا مدخل لبشر فيها . بل كلها نازلة من عنده تعالى ، مأخوذ بالتلقى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . يدلّ على ذلك أن الأحاديث الماضية تفيد أن الصحابة - رضوان اللّه عليهم - كانوا يرجعون فيما يقرءون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يأخذون عنه ، ويتلقون منه كل حرف يقرءون عليه . انظر قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في قراءة كل من المختلفين : ( هكذا أنزلت ) وقول المخالف لصاحبه : « أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » .