الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

129

مناهل العرفان في علوم القرآن

يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها » فكان التناسب بينهما رائعا ، والصلة وثيقة ، والانسجام جميلا ، لأن هذه الآية تأمر بالأمانة في عمومها كما ترى ، وتلك الآيات تأمر بأمانة خاصة كما علمت ، وما أحكم الصلة بين العام والخاص فكان ذلك شبيها بالسبب الخاص ينزل فيه لفظ عامّ ، فإذا كان تناول العام لأفراد الخاصّ مجمعا عليه ولا يصحّ خروجه بمخصّص ، فكذلك الأمانة الخاصة التي معنا تنتظم في سلك الأمانة العامة انتظاما ممتازا ، وتدخل فيها دخولا أوّليا ، حتى لو قيل إنه لا يجمل إخراجها منها بمخصص لم يبعد ، وذلك ما حدا بابن السبكي أن يجعلها مرتبة دون السبب وفوق التجرّد . وإنما لم تجعل في مرتبة السبب ، لأن الأولى ليست سببا في الثانية ، ولأن المقارنة بينهما ليست إلا في ترتيب آيات القرآن ووضع بعضها بإزاء بعض ، وليست مقارنة زمانية في النزول ، بل إن بينهما مدى بعيدا ، فالثانية تأخّرت عن الأولى بنحو ست سنين ، ولا يضر ذلك ، لأن تقارب الزمان ليس شرطا في وضع آية لصق آية تناسبها ؛ إنما هو شرط في أسباب النزول مع ما ينزل فيها فحسب . ولعل من تمام الفائدة أن نسوق إليك ما جاء في جمع الجوامع للإمام ابن السبكي وشارحه جلال الدين المحلّى في هذه المناسبة ، ونصّه : - ( ويقرب منها ) أي من صورة السبب حتى يكون قطعىّ الدخول أو ظنيّه ( خاصّ في القرآن تلاه في الرسم ) أي رسم القرآن بمعنى وضعه مواضعه ، وإن لم يتله في النزول ( عامّ للمناسبة ) بين التالي والمتلوّ ، كما في قوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ، يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ » الخ فإنه - كما قال أهل التفسير - إشارة إلى كعب ابن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر ، حرّضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ، ومحاربة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسألوهم : من أهدى سبيلا ، محمد وأصحابه أم نحن ؟ فقالوا : أنتم ، مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المنطبق عليه ، وأخذ المواثيق عليهم ألّا يكتموه ، فكان ذلك أمانة لازمة لهم ولم