الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

105

مناهل العرفان في علوم القرآن

لا تنافى تلك الفرضيّة كما فهم عروة إنّما الذي ينفيها أن يقال : « فلا جناح عليه ألّا يطوف بهما وإنما توجّه نفى الحرج في الآية عن الطواف بين الصفا والمروة ، لأن هذا الحرج هو الذي كان واقرا في أذهان الأنصار ، كما يدلّ عليه سبب نزول الآية الذي ذكرته السيدة عائشة فتدبر . ( الفائدة الثالثة ) دفع توهم الحصر ، عمّا يفيد بظاهره الحصر : نحو قوله سبحانه في سورة الأنعام : « قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ ، فَإِنَّهُ رِجْسٌ ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » . ذهب الشافعي إلى أن الحصر في هذه الآية غير مقصود ، واستعان على دفع توهّمه ، بأنها نزلت بسبب أولئك الكفار الذين أبوا إلا أن يحرّموا ما أحل اللّه ويحلّوا ما حرّم اللّه ، عنادا منهم ومحادة للّه ورسوله ، فنزلت الآية بهذا الحصر الصوري مشادّة لهم ومحادة من اللّه ورسوله ، لا قصدا إلى حقيقة الحصر . نقل السبكي عن الشافعي أنه قال ما معناه : « إن الكفار لما حرّموا ما أحلّ اللّه ، وأحلّوا ما حرّم اللّه ، وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم . فكأنه قال : لا حلال إلّا ما حرّمتموه ، ولا حرام إلا ما أحللتموه . نازلا منزلة من يقول لك : لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم إلا حلاوة ، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة . فكأنه تعالى قال : « لا حرام إلّا ما أحللتموه من الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهلّ لغير اللّه به » ولم يقصد حل ما وراءه ، إذ القصد إثبات التحريم ، لا إثبات الحلّ ا ه . قال إمام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية ا ه . ( الفائدة الرابعة ) تخصيص الحكم بالسبب ، عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ . فآيات الظهار في مفتتح سوة المجادلة - وقد تقدمت -