الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
104
مناهل العرفان في علوم القرآن
الأصنام ، تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك ، فنزلت الآية . كذلك جاءت بعض الروايات . لكن جاء في رواية صحيح البخاري ما نصه : فقال ( أي عروة ) لها ( أي لعائشة ) أرأيت قول اللّه تعالى « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » : فو اللّه ما على أحد جناح ألا يطّوّف بالصفا والمروة . قالت : بئسما قلت يا ابن أختي ، إن هذه لو كانت كما أوّلتها عليه ، كانت « لا جناح عليه ألا يطّوّف بهما » ولكنها أنزلت في الأنصار ، كانوا قبل أن يسلموا يهلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلّل ، فكان من أهلّ يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة : فلما أسلموا سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، قالوا : يا رسول اللّه إنا كنّا نتحرّج أن نطوف بين الصفا والمروة ، فأنزل اللّه « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ » الآية . قالت عائشة « وقد سنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطوّاف بينهما » انتهى ما أردنا نقله . ومعنى يهلّون : يحجّون . ومناة الطاغية : اسم صنم ، وكان صخرة نصبها عمرو بن لحى بجهة البحر فكانوا يعبدونها . والمشلّل بضم الميم ، واللام الأولى مشدّدة مفتوحة : اسم موضع قريب من قديد من جهة البحر . وقديد بضم القاف قرية بين مكة والمدينة . وكلمة « سنّ » معناها في هذا الحديث شرع ، أو فرض بدليل من السنة لا من الكتاب . وهذه الرواية - كما ترى - تدلّ على أنّ عروة فهم من جملة « فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » أنّ الجناح منفىّ أيضا عن عدم الطواف بهما ، وعلى ذلك تنتفى الفرضية ، وكأنه اعتمد في فهمه هذا على أن نفى الجناح ، أكثر ما يستعمل في الأمر المباح . أما عائشة رضى اللّه عنها فقد فهمت . أن فرضية السعي بين الصفا والمروة مستفادة من السنة ، وأن جملة « فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » .