الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

102

مناهل العرفان في علوم القرآن

2 - فوائد معرفة أسباب النزول زعم بعض الناس أنه لا فائدة للإلمام بأسباب النزول ، وأنها لا تعدو أن تكون تاريخا للنزول أو جارية مجرى التاريخ ، وقد أخطأ فيما زعم ؛ فإن لأسباب النزول فوائد متعددة ، لا فائدة واحدة : ( الأولى ) معرفة حكمة اللّه تعالى على التعيين ، فيما شرعه بالتنزيل ، وفي ذلك نفع للمؤمن وغير المؤمن . أما المؤمن فيزداد إيمانا على إيمانه ، ويحرص كلّ الحرص على تنفيذ أحكام اللّه والعمل بكتابه ، لما يتجلى له من المصالح والمزايا التي نيطت بهذه الأحكام ، ومن أجلها جاء هذا التنزيل . وأما الكافر فتسوقه تلك الحكم الباهرة إلى الإيمان إن كان منصفا ، حين يعلم أن هذا التشريع الإسلامي قام على رعاية مصالح الإنسان ، لا على الاستبداد والتحكم والطغيان ، خصوصا إذا لاحظ سير ذلك التشريع وتدرّجه في موضوع واحد . وحسبك شاهدا على هذا تحريم الخمر وما نزل فيه ، وقد مرّ بك في البحث السابق ، فلا نعيده ، ولا تغفل . ( الفائدة الثانية ) الاستعانة على فهم الآية ودفع الإشكال عنها . حتى لقد قال الواحدي : لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها . وقال ابن تيمية : معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ا ه . ولنبين لك ذلك بأمثلة ثلاثة : ( الأول ) قال اللّه تعالى في سورة البقرة : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ » فهذا اللفظ الكريم يدلّ بظاهره على أن للإنسان أن يصلى إلى أيّة جهة شاء ، ولا يجب عليه أن يولى وجهه شطر البيت الحرام ، لا في سفر ولا حضر . لكن إذا علم أن هذه الآية نازلة في نافلة السفر خاصة ، أو فيمن صلّى باجتهاده ثم بان له خطؤه ، تبين له أن الظاهر غير مراد ، إنما المراد التخفيف على خصوص المسافر في صلاة النافلة