الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
97
مناهل العرفان في علوم القرآن
ملاحظة لعلك بعد تحقيق أول ما نزل وآخره ، تستطيع أن نستدرك على ما أسلفناه في المبحث الثالث ، تقديرا لمدة نزول القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ناقلين إياه عن بعض محققي تاريخ التشريع الإسلامي . ذلك أنه اعتبر يوم التاسع من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة هو آخر أيام النزول ، وكأنه اعتمد على ما فهمه في قوله سبحانه : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » الآية ، من أنه إكمال للدين بإكمال نزول القرآن . لكنك قد علمت ما فيه . فلتضف أنت إلى تلك المدة التي ذكرها اثنين وسبعين يوما ، هي عدّة الفرق بين التسعة والواحد والثمانين يوما ، إذ أن آية « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » عاش النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعدها أحدا وثمانين يوما كما روى ، وآية « وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » عاش صلّى اللّه عليه وسلّم بعدها تسعة فقط كما عرفت . أما مبدأ نزول الوحي بالقرآن فمعلوم أنه كان في اليوم الذي هبط فيه جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغار حراء بصدر سورة اقرأ . وقد قالوا : إنه يوافق السابع عشر من رمضان ، واعتمدوا في ذلك على قوله سبحانه في سورة الأنفال : « إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ » . فجعل يوم الفرقان هو يوم التقاء الجمعين في غزوة بدر . وكان يوافق السابع عشر من رمضان على ما ذكره بعض أصحاب المغازي والسير . ولا ريب أن هذا احتمال في الآية مقبول ، ولكن هذا الاحتمال لا يكفى في مثل هذا المقام ، لأنه احتمال مرجوح ، وظاهر الأدلة على خلافه . ذلك لأن السّنة الصحيحة جاء فيها ما يفيد صراحة أن أرجى ما تكون ليلة القدر التي نزل فيها القرآن ، في الوتر في العشر الأخير من رمضان . وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء . بل ثبت من طريق