الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
98
مناهل العرفان في علوم القرآن
صحيح يرويه البخاري أيضا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « التمسوها في سابغة تبقى ، في تاسعة تبقى » أي اطلبوا ليلة القدر ليلة الحادي والعشرين أو ليلة الثالث والعشرين من ذلك الشهر . وهو مذهب الشافعي رضى اللّه عنه . ولا جدال في أن هذه نصوص تنافى أن تكون ليلة القدر ليلة السابع عشر من رمضان . . . ثم إن هذه الآية التي استدلّ بها هؤلاء ليست نصا صريحا في أن المراد بما أنزله اللّه على عبده يوم الفرقان هو ما أنزله على نبيه ليلة القدر من القرآن . بل الظاهر أن قوله سبحانه : « وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ » معناه . وما أنزلنا على عبدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي والملائكة والفتح في ذاك اليوم المشهود الذي فرق اللّه فيه بين الحق والباطل . وبين الإسلام والكفر ، في أوّل موقعة تاريخيّة انتصف فيها الإسلام من أعدائه ، وقام للمسلمين بسببها شوكة ودولة وسلطان . « وهي غزوة بدر الكبرى » . وإلى هذا الرأي جنح أكثر المفسرين . ويؤيده سياق النظم القرآني الكريم ؛ فإن الآية نزلت لتروض قلوب المسلمين على الرضا بما شرع اللّه في قسمة الغنائم ، وليقطعوا أطماعهم من الخمس الذي قضى اللّه أن يكون له لا لهم ، وليقنعوا بعد ذلك بالأربعة الأخماس الباقية ، فإن الفضل في هذه الغنائم إنما هو للّه قبلهم ، هو الذي أنزل في هذا اليوم ما أنزل من هدايات وبشائر ثبّتت قلوبهم . وهو الذي أنزل مددا من لدنه ملائكة مقربين كثيرين . وهو الذي سخّر سائر أسباب الانتصار ، المعروفة في هذه المعركة العظيمة . . . وإذا كان الفضل يرجع إلى اللّه في هذا الانتصار ، فأطيعوا أيها المسلمون أمره في قسمة الغنائم المتخلّفة عنه . « وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .