الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

79

مناهل العرفان في علوم القرآن

الناحية المفهومة لهم كلّ الفهم ، وذلك ليظهر أمر اللّه واضحا جليّا ، لا لبس فيه ولا غموض ، ولا شبهة ولا شكوك « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً » . ومن هنا نعلم ، والتاريخ يشهد ، أن القرآن لو كان مصدره نفس محمد - كما يقول أولئك الملاحدة - لأمكن هؤلاء العرب البارزين في البيان أن يعرفوا أنه كلامه ، بما أوتوا من ملكة النقد ، وما وهبوا من نباهة الحسّ والذوق ، ثم لأمكنهم أن يجاروه ولو شوطا قريبا ، إن لم يمكنهم مجاراته شوطا بعيدا . لا سيّما أن القرآن قد اكتفى منهم في معرض التحدّى بأن يأتوا بسورة من مثل أقصر سورة ، أي بمثل ثلاث آيات قصار من بين تلك الآلاف المؤلّفة التي اشتمل عليها الكتاب العزيز . وأنت خبير بأن هؤلاء لم تكن لتعييهم تلك المساجلة وهم فرسان ذلك الميدان ، وأئمة الفصاحة والبيان ، لو كان الأمر من صناعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإنشائه . كما يزعم أولئك الخرّاصون . فما بالك وقد خرست ألسنتهم ، وخشعت أصوات الأجيال كلها من بعدهم . ومعلوم أن النابغة الفذّ في أىّ عصر من العصور ، يستطيع أقرانه بيسر وسهولة ، أن يحاكوه مجتمعين ومنفردين في الشيء القليل ، على فرض أنهم لا يستطيعون معارضته في الجميع أو الشيء الكثير . ( الجواب الثالث ) أن القرآن لو كان مصدره نفس محمد ، لكان من الفخر له أن ينسبه إلى نفسه . ولأمكن أن يدّعى به الألوهية فضلا عن النبوّة . ولكان مقدّسا في نظر الناس وهو إله ، أكثر من قداسته في نظرهم وهو نبىّ . ولما كان في حاجة إذا إلى أن يلتمس هذه القدسيّة الكاذبة بنسبته القرآن إلى غيره « فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً » ؟ ؟ !