الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
80
مناهل العرفان في علوم القرآن
( الجواب الرابع ) أن هؤلاء الملاحدة غاب عنهم أنّهم يتحدّثون عن أكرم شخصيّة عرفها التاريخ طهرا ونبلا ، وذهلوا عن أنهم يمسّون أسمى مقام اشتهر أمانة وصدقا . فكان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا مرّ بقومه يشيرون إليه بالبنان ويقولون : هذا هو الصادق الأمين . ثم صدروا عن رأيه ، ورضوا بحكمه . والعقل المنصف قال ولا يزال يقول : ما كان هذا الأمين الصدوق ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على اللّه « وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ » . ( الجواب الخامس ) أن هذه الشبهة وليدة الغفلة عن مضامين القرآن العلميّة ، وأنبائه الغيبيّة ، وهداياته الخارجة عن أفق العادة في كافّة النواحي البشرية ، فردية كانت أو اجتماعيّة . لا سيّما أن الآتي بهذا القرآن رجل أمىّ في أمّة أميّة ، كانت في أظلم عهود الجاهلية . أضف إلى ذلك ما سجّل القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أخطاء في بعض اجتهاداته ، ومن عتاب نحسّ تارة بلطفه ، وأخرى بعنفه . ولو كان هذا التنزيل كلامه ما سمح أن يسجّل على نفسه ذلك كله . ولكن الملاحدة سفهوا أنفسهم ؛ وزعموا رغم هذه البراهين اللائحة أن محمدا افترى القرآن على ربه . كذبوا وضلّوا . « ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى . وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » . ( ذيل لهذه الشبهة ) ويتّصل بهذه الشّبهة شبهة أخرى قد تعرض لبعض المأفونين . وهي أن هذا البعد الشاسع بين القرآن والحديث لم يجيء من ناحية أنّ القرآن كلام اللّه والحديث كلام محمد : إنما جاء من ناحية أن محمدا كان له ضربان من الكلام : أحدهما يحتفل به كلّ احتفال ، ويعنى مزيد العناية بتهذيبه وتنميقه وتحضيره ، وذلك هو ما سمّاه بالقرآن ونسبه إلى اللّه . وثانيهما يرسله إرسالا غير معنىّ بتحبيره وتحريره ، وهو المسمّى بالحديث النبوي . ثم يقولون لترويج شبهتهم هذه :