محمد الأمين الأرمي العلوي

9

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

قوله تعالى : وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً . . . الآيات ، مناسبة هذه الآيات لما قبلها « 1 » : أنّ اللّه سبحانه وتعالى لما ذكر في الآية الأولى : أنه أكرم عبده ، ورسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالإسراء من مكة إلى بيت المقدس . . أردف ذلك بذكر ما أكرم به موسى عليه السلام قبله من إعطائه التوراة ، وجعله هدى لبني إسرائيل ليخرجهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور العلم والهدى ، ثمّ قفّى على ذلك ببيان أنّهم ما عملوا بهديها بل أفسدوا في الأرض ، فسلّط اللّه عليهم البابليين ، أثخنوا فيهم ، وقصدوهم بالقتل ، والنهب ، والسلب ، ثم أزال عنهم هذه المحنة ، وأعاد لهم الدولة ، وأمدهم بالأموال ، والبنين ، وجعلهم أكثر عددا مما كانوا ، ثم عادوا إلى عصيانهم ، وقتلوا ذكريا ، ويحيى - عليهما السلام - فسلّط اللّه عليهم من أدال دولتهم مرة أخرى ، فأعمل فيهم السيف ، وسلب ، ونهب ، وجاس خلال ديارهم ، فدخل بيت المقدس مرّة أخرى بالقهر والغلبة والإذلال ، وأهلك ما أهلك ، مما قد جمعوه وكنزوه ، ثم أوعدهم على عصيانهم بالعقاب في الآخرة بنار جهنم ، وبئس السجن هي لمن عصى اللّه وخالف أوامر دينه تعالى . قوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . . . الآيات ، مناسبة هذه الآيات لما قبلها : أن اللّه سبحانه وتعالى ، لما ذكر ما أكرم به من اصطفاه من النبيين والمرسلين ، فأكرم محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالإسراء ، وأكرم موسى بالتوراة ، وجعلها هدى لبني إسرائيل ، ثم بيّن أنهم لم يعملوا بها ، فحل بهم عذاب الدنيا والآخرة . . قفّى على ذلك بالثناء على القرآن الكريم ، وبيان أنه يهدي إلى الصراط المستقيم ، ويبشر المؤمنين بالأجر والثواب العظيم ، وينذر الكافرين بالعذاب الأليم ، ثم أردف ذلك بذكر طبيعة الإنسان ، وأنه خلق عجولا قد يدعو على نفسه بالشر ، أي : بالموت ، والهلاك ، والدمار ، واللعنة كما يدعو لنفسه بالخير . وعبارة أبي حيان هنا : لما ذكر « 2 » تعالى من اختصه بالإسراء ، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم ومن آتاه التوراة ، وهو موسى عليه السلام ، وأنها هدى لبني إسرائيل ،

--> ( 1 ) المراغي . ( 2 ) البحر المحيط .