محمد الأمين الأرمي العلوي
28
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
وقد عادوا فعاد اللّه عليهم ، بعقابه ، فقد كذبوا النبي صلى اللّه عليه وسلم وهموا بقتله ، فسلطه اللّه عليهم ، فقتل قريظة ، وأجلى بني النضير ، وضرب الجزية على الباقين ، فهم يعطونها عن يد وهم صاغرون ، ولا ملك لهم ولا سلطان . وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ؛ أي « 1 » : محبسا ومقرا يحصرون فيه لا يستطيعون الخروج ، منها أبد الآباد ، فهو فعيل بمعنى فاعل ؛ أي « 2 » : حاصرة لهم ، ومحيطة بهم ، فصرف من حاصرة إلى حصير ، كما صرف مؤلم إلى أليم ، وتذكيره إما لكونه بمعنى النّسبة ، كلابن وتأمر ، أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول ، أو بالنظر إلى لفظ ( جهنم ) إذ ليس فيه علامة التأنيث ، وعن الحسن : حصيرا ؛ أي : بساطا ، وفراشا ، كما يبسط ويفرش الحصير المرمول ، والحصير : المنسوج ، وإنّما سمّي الحصير ؛ لأنه حصرت طاقاته بعضها فوق بعض . واعلم : أن جهنم عصمني اللّه وإياكم عنها من أعظم المخلوقات ، وهي سجن اللّه في الآخرة يسجن فيه المعطلة ؛ أي : نفاة الصانع والمشركون ، والكافرون ، والمنافقون ، وأهل الكبائر من المؤمنين ، ثمّ يخرج بالشفاعة وبالامتنان الإلهي من جاء النص الإلهي فيه ؛ أي « 3 » : إنه تعالى جعل جهنّم للكافرين به بساطا ، ومهادا كما قال : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وقال ابن عباس وغيره : جعلناها سجنا محيطا بهم حابسا لهم لا رجاء لهم في الخلاص منه . وخلاصة ذلك : أن لهم في الدنيا ما تقدّم وصفه من العذاب ، وفي الآخرة ما يكون محيطا بهم من عذاب جهنم ، فلا يتخلصون منه أبدا ، وفي الكرخي : والمعنى : أن عذاب الدنيا ، وإن كان شديدا ، إلا أنه قد يتفلّت بعض الناس عنه ، والذي يقع فيه يتخلّص إما بالموت ، أو بطريق آخر ، وأما عذاب الآخرة ، فإنه يكون محيطا بهم ، لا رجاء في الخلاص منه ا ه . إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ الذي آتيناك يا محمد يَهْدِي الناس كافة لا فرقة
--> ( 1 ) روح البيان . ( 2 ) زاد المسير . ( 3 ) المراغي .