محمد الأمين الأرمي العلوي

29

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

مخصوصة منهم ، كدأب الكتاب الذي آتيناه موسى لِلَّتِي ، أي للطريقة التي هِيَ أَقْوَمُ الطرائق وأسدها ، وأصوبها ، أي يهدي إلى الطريقة التي هي أقوم من غيرها من الطرق ، والملل ، وهي ملة الإسلام ، أو يهدي للحالة التي هي أقوم من غيرها من الحالات ، وهي توحيد اللّه ، والإيمان برسله ، والمراد « 1 » بهدايته لها : كونه بحيث يهتدي إليها من يتمسك به ، لا تحصيل الاهتداء بالفعل ، فإنّه مخصوص بالمؤمنين وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ بما في تضاعيفه من الأحكام والشرائع الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ التي شرحت فيه ، أَنَّ لَهُمْ ؛ أي : بأنّ لهم بمقابلة تلك الأعمال أَجْراً كَبِيراً ؛ أي : ثوابا عظيما بحسب الذات ، وبحسب التضعيف عشر مرات فصاعدا . وقوله : وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ معطوف على جملة يبشّر بإضمار يخبر ؛ أي : وإن هذا القرآن الذي أنزل عليك يخبر ويبين بأن الذين لا يؤمنون بِالْآخِرَةِ ، وأحكامها المشروحة في القرآن من البعث ، والحساب ، والجزاء ، وأنكروا وجودها أَعْتَدْنا لَهُمْ ؛ أي : هيأنا لهم في الآخرة عَذاباً أَلِيماً وهو عذاب جهنم ، ويجوز أن يكون معطوفا على أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً فالمعنى أنه يبشّر المؤمنين ببشارتين : ثوابهم ، وعقاب أعدائهم ، فإنّ المرء يستبشر ببلية عدوّه ، وقرأ الجمهور وَيُبَشِّرُ مشدّدا مضارع بشّر المشدد ، وقرأ عبد اللّه ، وطلحة ، وابن وثاب ، والأخوان : ويبشر مضارع بشر المخفف . والحاصل : أن اللّه سبحانه وتعالى مدح « 2 » في هذه الآية كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ووصفه بصفات ثلاث : 1 - أنه يرشد من اهتدى به للسبيل التي هي أقوم السبل ، وهي ذلك الدين القيم ، والملة الحنيفية السمحاء التي أهم دعائمها : الإخبات للّه ، والإنابة إليه ، واعتقاد أنّه واحد لا شريك له ، وأنه صاحب الملك والملكوت ، وهو الحي الذي لا يموت ، وهو الفرد الصمد الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .

--> ( 1 ) روح البيان . ( 2 ) المراغي .