محمد الأمين الأرمي العلوي

23

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

الغلبة ، وقرأ عيسى : لتفسدن بفتح التاء ، وضم السين ، أي فسدتم بأنفسكم بارتكاب المعاصي ، وقرأ الجمهور : عُلُوًّا بوزن عتوا ، وقرأ زيد بن علي : عليا كبيرا ، ولكن التصحيح في فعول المصدر أكثر من الإعلال كقوله : وعتوا عتوّا كبيرا ، بخلاف الجمع ، فإن الإعلال فيه هو المقيس . فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما ؛ أي : وعد عقاب أولى المرتين ؛ أي : فإذا حان وقرب وقت العقاب الموعود به في أولى الإفسادتين بَعَثْنا عَلَيْكُمْ ؛ أي : سلّطنا عليكم لمؤاخذتكم بجناياتكم عِباداً لَنا قيل « 1 » : هم بختنصر ، وجنوده ، وقيل : جالوت وجنوده ، وقيل : جند من بابل ، وأكثر ما يقال : عباد اللّه ، وعبيد الناس ، والإضافة « 2 » فيه لبيان كونهم مظاهر الاسم المذلّ المنتقم القهّار ، كما يفيده مقام العظمة ، لا للتشريف ، فإن الكافر ليس من أهله ، أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ؛ أي : أصحاب قوة في الحروب ، وبطش عند اللقاء ، وهذا كقولهم : ظل ظليل ؛ لأن البأس يتضمن الشدة ؛ أي ذوي قوة وبطش في الحروب فَجاسُوا ؛ أي : جاس أولئك العباد ، وترددوا خِلالَ الدِّيارِ ؛ أي : خلال دياركم وأوساطها ، من الجوس ، وهو التردد خلال الدور والبيوت في الغارة ؛ أي : مشوا في وسط المنازل ، أو في أوساطها للقتل والأسر ، والغارة ، وطافوا بينها لينظروا هل بقي منهم أحد لم يقتلوه ، فقتلوا علماءهم ، وكبارهم ، وحرّقوا التوراة ، وخرّبوا المسجد ، وسبوا منهم سبعين ألفا ، وذلك من قبيل تولية بعض الظالمين بعضا مما جرت السنة الإلهية ، وَكانَ ذلك ؛ أي : وعد عقابهم في المرة الأولى ، فالضمير في ، وَكانَ عائد على وعد أولاهما ، وفي « الجمل » : وَكانَ ؛ أي : البعث المذكور ، وجوس الأعداء وَعْداً مَفْعُولًا ؛ أي : وعدا لا بد منه أن يفعل . والمعنى : أي « 3 » فإذا حان وقت حلول العقاب الموعود ، أرسلنا عليكم لمؤاخذتكم بجنايتكم عبادا لنا أولي بطش شديد في الحروب ، قيل : هم سنحاريب ملك بابل وجنوده ، فأوغلوا في البلاد ، وترددوا بين الدور ، والمساكن

--> ( 1 ) الشوكاني . ( 2 ) روح البيان . ( 3 ) المراغي .