محمد الأمين الأرمي العلوي
28
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
فيهم بحال وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ؛ أي : وما وجدنا « 1 » لأكثر الأمم الخالية والقرون الماضية ، الذين قصصنا خبرهم عليك يا محمد - من وفاء بالعهد الذي عهدنا إليهم ، وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق - قال ابن عباس : إنّما أهلك اللّه أهل القرى . . لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به ؛ أي : وما وجدنا « 2 » لأكثر أولئك الأقوام عهدا يفون به ، سواء أكان عهد الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، إذ قد فطر اللّه أنفس البشر على الشعور بسلطان غيبي فوق جميع القوى ، وعلى إيثار الحسن ، واجتناب غيره ، وعلى حب الكمال ، وكراهة النقص ، أم كان العهد الذي أخذه ربهم عليهم - وهم في الأصلاب - أنه ربهم ومليكهم ، وأنّه لا إله إلا هو ، وأقروا بذلك ، وشهدوا على أنفسهم به ، وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم ، وعبدوا معه غيره ، بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع ، وقد جاء في « صحيح مسلم » : « يقول اللّه : إنّي خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم » وفي « الصحيحين » : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » . . وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ؛ أي : وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين خارجين عن طاعتنا وأمرنا ، وهذا المعنى على مذهب الكوفيين من كون إِنْ للنفي واللام بمعنى إلا ، وعند غيرهم إنّ إِنْ مخففة ، واسمها ضمير الشأن ، واللام فارقة ، والمعنى حينئذ أي : وإنّ الشأن والحال وجدنا أكثر الأمم في عالم الشهادة ، خارجين عن كل عهد فطري وشرعي وعرفي ، فهم ناكثون غادرون للعهود ، مرتكبون أفانين المعاصي ، وفي التعبير بالأكثر إيماء إلى أنّ بعضهم قد آمن والتزم كل عهد عاهده اللّه عليه ، أو تعاهد عليه مع الناس . الإعراب قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ .
--> ( 1 ) الخازن . ( 2 ) المراغي .