محمد الأمين الأرمي العلوي
27
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
والمعنى « 1 » : ولقد جاء أهل تلك القرى رسلهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم ، وبالآيات التي اقترحوها عليهم لإقامة حجتهم ، فجاء كل رسول قومه بما أعذر به إليهم ، ولكن لم يكن من شأنهم أن يؤمنوا بعد مجيء البينات بما كذبوا به من قبل مجيئها حين بدأ الدعوة إلى التوحيد ، وعبادة اللّه وحده بما شرعه ، وترك الشرك والمعاصي . ذاك أنّ شأن المكذبين عنادا أو تقليدا . . أن يصروا على التكذيب بعد إقامة الحجة ، إذ لا قيمة لها في نظرهم ، فهم إمّا جاحدون ومعاندون ضلوا على علم ، وإما مقلدون يأبون النظر والفهم . كَذلِكَ ؛ أي : كما طبع اللّه سبحانه وتعالى ، وختم على قلوب كفار الأمم الخالية ، من أهل القرى المذكورة وأهلكهم يَطْبَعُ اللَّهُ سبحانه وتعالى ويختم عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ الذين كتب عليهم أنّهم لا يؤمنون من قومك ، فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر ، فلا ينجع فيهم بعد ذلك وعظ ولا تذكير ، ولا ترغيب ولا ترهيب ؛ أي : مثل ما ذكر من عناد هؤلاء وإصرارهم على الضلال ، وعدم تأثير الدلائل والبينات في عقولهم . . يكون الطبع على قلوب من ران الكفر على قلوبهم ، وصار العناد ديدنهم ، سنة اللّه في أخلاق البشر وأحوالهم ، إذ هم يأنسون بالكفر وأعماله ، وتستحوذ أوهامه على عقولهم ، ويملأ حب الشهوات أفئدتهم ، فلا يقبلون بحثا ، ولا فيما هم عليه نقدا ، فما مثلها إلا مثل السكة التي طبعت على طابع خاص أثناء سبك معدنها وإذابته ، ثمّ جمدت ، فلا تقبل بعد ذلك نقضا ولا شكلا آخر . وفي الآية تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وإعلام له بأنّ أهل مكة قد وصلوا إلى حال من الجمود والعناد ، وفساد الفطرة وإهمال النظر والعقل ، لا تؤثر فيها البينات وإن وضحت ، والآيات وإن اقترحت ، وقد كانوا يقترحون عليه الآيات ، وكان يتمنى أن يؤتيه اللّه ما اقترحوا منها حرصا على إيمانهم ، حتى بين اللّه له طباعهم وأخلاقهم ، ليعرف مبلغ أمرهم في قبول دعوته ، وأنّه لا أمل له
--> ( 1 ) المراغي .