محمد الأمين الأرمي العلوي

26

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

وإنّما قص عليه أنباء أهل هذه القرى ؛ لأنّهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم ، فتوهموا أنّهم على الحق ، فذكرها اللّه تعالى لقوم محمد صلى اللّه عليه وسلّم ليحترزوا عن مثل تلك الأعمال . أي : نقص أنباءها عليك لتتسلى ، وليحذر كفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصاب هذه القرى ، والمضارع يحتمل أن يكون على معناه ، والمعنى : نقص عليك فيما سيأتي مفترقا في السور ، كما هو الواقع ، فإنّ القرى المذكورة فيما سبق ستأتي قصصها في السور الآتية بأبسط مما ذكر هنا ، ويحتمل أن يكون بمعنى الماضي ، ويحتمل أن يكون بالمعنيين . وقال المراغي : والحكمة في تخصصها بالذكر ، أنّها كانت في بلاد العرب وما جاورها ، وكان أهل مكة . وغيرهم ممن وجهت إليهم الدعوة أول الإسلام يتناقلون بعض أخبارها ، وهي جميعا طبعت على غرار واحد في تكذيب الرسل ، والمماراة فيما جاءوا به من النذر ، فحل بهم النكال بعذاب الاستئصال ، فالعبرة في جميعها واحدة ، ومن ثم فصلها في قصة موسى الآتية ؛ لأنّ قومه آمنوا به ، وإنّما كذب فرعون . انتهى . واللام في قوله : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ موطئة للقسم ؛ أي : إنّ من أخبارهم - واللّه - لقد جاءتهم ؛ أي : لقد جاءت كل أمة من تلك الأمم المهلكة أنبياءهم ، الذين أرسلوا إليهم بالبينات ؛ أي : المعجزات الواضحة ، الدالة على صحة رسالتهم الموجبة للإيمان فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ؛ أي : فما كان أهل تلك القرى - بعد رؤية تلك المعجزات - ليؤمنوا بالشرائع التي كذبوها قبل رؤية تلك المعجزات ، والمعنى « 1 » : كانت كلّ أمة من تلك الأمم في زمن الجاهلية يتسامعون بكلمة التوحيد من بقايا من قبلهم فيكذبونها ، ثم كانت حالهم بعد مجيء نبيهم الذي أرسل إليهم كحالتهم قبل ذلك ، كأن لم يبعث إليهم أحد .

--> ( 1 ) المراح .