محمد الأمين الأرمي العلوي
25
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
الحكم والنصائح سماع تفقه وتدبر وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ . إذ أن قلوبهم قد ملئت بمعتقدات وشهوات تصرفها عن غيرها ، فجعلتهم من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا ، وقد كان في مثل هذه القصص عبرة للمسلمين أيما عبرة ، فكتابهم يقص عليهم قصص الأمم قبلهم ، ويبين لهم أنّ ذنوب الأمم لا تغفر ، كذنوب الأفراد ، وسننه فيها لا تتبدل ولا تتحول ، فكان عليهم أن يتقوا كل ما قصه من ذنوب الأمم التي هلك بها من قبلهم ، وزالت بها الدولة لأعدائهم ، ولكنهم قصروا في وعظ الأمة بها ، وإنذارهم عاقبة الإعراض عنها ، وكان عليهم أن يعتبروا بقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « شيبتني هود وأخواتها » وقوله تعالى : أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ 68 أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ 69 . وفي « زاد المسير » وقرأ يعقوب « 1 » : نهد بالنون ، وكذلك في طه والسجدة . قال الزجاج : من قرأ بالياء . . فالمعنى : أو لم يبين اللّه لهم ؟ ومن قرأ بالنون . . فالمعنى : أو لم نبين ؟ انتهى . وقال الشوكاني : قرئ نهد « 2 » بالنون وبالتحتية ، فعلى قراءة النون يكون فاعل الفعل هو اللّه سبحانه وتعالى ، ومفعول الفعل : أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ؛ أي : أنّ الشأن هو هذا ، وعلى قراءة التحتية يكون فاعل يَهْدِ هو أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ؛ أي : أخذناهم بكفرهم وتكذيبهم ، والهداية هنا بمعنى التبيين ، ولهذا عدّيت باللام . انتهى . تِلْكَ الْقُرى التي بعد عهدها ، وطال الأمد على تاريخها ، وجهل قومك حقيقة حالها التي أهلكناها - وهي قرى قوم نوح ، وهود وصالح ، ولوط ، وشعيب - المتقدم ذكرها نَقُصُّ ونتلو عَلَيْكَ يا محمد ونخبرك مِنْ أَنْبائِها ؛ أي : بعض أخبارها ، مما فيه العبرة لقومك ، والتسلية لك وللمؤمنين ؛ لأنّه « 3 » إنّما قص عليه صلى اللّه عليه وسلّم ما فيه عظة وانزجار ، دون غيرهما ، ولها أنباء غيرها لم يقصها عليه ؛
--> ( 1 ) زاد المسير . ( 2 ) فتح القدير . ( 3 ) الفتوحات .