محمد الأمين الأرمي العلوي

17

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

فَتَوَلَّى عَنْهُمْ ؛ أي : فأدبر شعيب عنهم ، وخرج من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب اللّه وَقالَ حزنا عليهم يا قَوْمِ واللّه لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وأديت إليكم ما بعثني به إليكم ، من الأوامر والنواهي والتوحيد وَنَصَحْتُ لَكُمْ ؛ أي : وأظهرت لكم النصح فأبيتم قبوله ، فجاءكم العذاب فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ؛ أي : فكيف أحزن على عذاب قوم جحدوا وحدانية اللّه ، وكذبوا رسله ، وأتوجع لهلاكهم ، بعد أن أعذرت إليهم ، وبذلت جهدي في سبيل هدايتهم ونجاتهم ، فاختاروا ما فيه هلاكهم ؛ لأنّهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر وإنّما يأسى من قصر فيما يجب عليه من النصح والإنذار . والمعنى « 1 » : لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة مما حل بكم ، فلم تسمعوا قولي ، ولم تقبلوا نصحي ، فكيف آسى عليكم ؟ والمراد : أنّهم ليسوا مستحقين بأن يأسى الإنسان عليهم ، والاستفهام فيه للإنكار وفيه معنى التعجب . وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ من القرى مِنْ نَبِيٍّ ؛ أي : نبيا من الأنبياء فكذبه أهلها إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها ؛ أي : عاقبناهم بِالْبَأْساءِ ؛ أي : بالشدة في أحوالهم ، كالخوف وضيق العيش وَالضَّرَّاءِ ؛ أي : الأمراض والأوجاع ، أي : وما أرسلنا في قرية من القرى نبيا من الأنبياء ، فكذبه أهلها ، إلا أخذنا أهلها وعاقبناهم بالفقر والجوع ، والأوجاع والأمراض لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ؛ أي : لكي يتضرعوا ويتذللوا ، فيدعوا ما هم عليه من الاستكبار وتكذيب الأنبياء ، وينقادوا لأمر اللّه تعالى . والمعنى : أنّ سنتنا قد جرت - ولا مبدل لها - أنّنا إذا أرسلنا نبيا في قوم وكذبوه . . أنزلنا بهم الشدائد والمصائب ، لنعدّهم ونؤهّلهم للتضرع والإخلاص في دعائنا بكشفها ، وقد ثبت بالتجارب لدى علماء الأخلاق : أنّ الشدائد تربي الناس ، وتصلح فساد أحوالهم ، فالمؤمن قد يشغله هناء العيش عن حاجته إلى

--> ( 1 ) المراح .