محمد الأمين الأرمي العلوي

18

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

ربه ، لكن الشدائد تذكره به ، والكافر بالنعم قد يعرف قيمتها له بفقدها ، وتنبهه الشدائد والأهوال إلى وجود الرب الخالق ، والمدبر لأمور الخلق ، وتذكره الأهوال بمصدر هذا النظام في الكون ثُمَّ بعد ما أخذناهم بالبأساء والضراء بَدَّلْنا ؛ أي : أعطينا لهم مَكانَ السَّيِّئَةِ ؛ أي : بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة الْحَسَنَةَ ؛ أي : الرخاء والسعة ؛ أي : ثمّ أعطيناهم السعة والصحة بدل ما كانوا فيه من البلاء والمرض ؛ لأنّ ورود النعمة في المال والبدن يدعو إلى الاشتغال بالشكر ، والمراد : بدلنا مكان الحال السيئة من البأساء والضراء ، الحال الحسنة من السراء والنعمة حَتَّى عَفَوْا ؛ أي : حتى كثروا في أنفسهم وأموالهم ونموا ، إذ إنّ الرخاء مما يكون سببا في كثرة النسل ، وبه تتم النعمة في الدنيا على الموسرين ، ومن هذه الحسنات : ما حدث لقوم هود من النعم التي بطروا بها ، وذكرهم هود بها في قوله : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وكذا ما قاله صالح لقومه : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . وَقالُوا قولا يدل على أنّهم لا يعتبرون بأحداث الزمان ، إذ قالوا : قَدْ مَسَّ آباءَنَا ممن قبلنا الضَّرَّاءُ ؛ أي : ما يسوؤهم من الشدائد والأمراض وَالسَّرَّاءُ ؛ أي : ما يسرهم من الرخاء والراحة والخصب ، كما أصابنا ، وما نحن إلا مثلهم ، فيصيبنا مثل ما أصابهم ، وهذه عادة الزمان في أهله ، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد ، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة ، وتلك عادة الدهر بأبنائه ، فلا الضراء عقاب على ذنب يرتكب ، ولا السراء جزاء على صالحات تكتسب ، فصبروا على دينهم ، فنحن مثلهم ، نقتدي بهم ، فليست عقوبة من اللّه بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل ، فلمّا لم ينقادوا بالشدة وبالرخاء ، ولم ينتفعوا بذلك الإمهال . . أخذهم اللّه بغتة أينما كانوا ، كما قال تعالى : فَأَخَذْناهُمْ بعد ذلك بَغْتَةً ؛ أي : فجأة بالعذاب وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ؛ أي : والحال أنّهم لا يعلمون وقت نزول العذاب بهم ، ولا يخطرون ببالهم شيئا من المكاره ، أي : فكان عاقبة أمرهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة ، وهم لا شعور لديهم بما سيحل بهم ، إذ هم