محمد الأمين الأرمي العلوي

13

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

قضاء اللّه وقدره فينا ، وينفذ سابق مشيئته علينا . وهذه الجملة « 1 » رفض آخر للعود إلى ملتهم ، مؤكد أبلغ التأكيد ، مؤس لهم من عودته ومن آمن معه إلى ملتهم ، فبعد أن نفى وقوع العود منهم باختيارهم ، نفاه نفيا مؤكدا بأنّه ليس من شأنهم ، ولا يجئ من قبلهم بحال من الأحوال ، كالترغيب والترهيب ، بالرجاء في المنافع ، والخوف من المضار ، كالإخراج من الديار إلا حالا واحدة ، وهي مشيئة اللّه ، ومشيئته تجري بحسب علمه وحكمته في خلقه ، وسنته في خلقه أن ينصر أهل الحق على أهل الباطل ما داموا ناصرين له ، وقائمين بما هداهم إليه منه . وخلاصة ذلك : لا تطمعوا أن يشاء ربنا الحفي بنا ، عودتنا في ملتكم ، بعد إذ نجانا منها بفضله ، فما كان اللّه ليدحض حجته ويغير سنته . وقال الواحدي : معنى « 2 » العود هنا الابتداء . والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية : أنّ شعيبا وأصحابه قالوا : ما كنا نرجع إلى ملتكم بعد أن وقفنا على أنّها ضلالة تكسب دخول النار ، إلا أن يريد اللّه إهلاكنا ، فأمورنا راجعة إلى اللّه ، غير خارجة عن قبضته ، يسعد من يشاء بالطاعة ، ويشقي من يشاء بالمعصية ، وهذا من شعيب وقومه استسلام لمشيئة اللّه تعالى ، ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر ، ألا ترى إلى قول الخليل عليه السلام : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ . وكان نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلّم كثيرا ما يقول : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » . قال الزجاج - رحمه اللّه تعالى - : المعنى : وما يكون لنا أن نعود فيها ، إلا أن يكون قد سبق في علم اللّه ومشيئته أن نعود فيها ، وتصديق ذلك قوله : وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ؛ أي : أحاط علم ربنا سبحانه وتعالى أزلا بكل الأشياء ، ويعلم ما كان وما سيكون ، قبل أن يكون ، فالسعيد من سعد في علم اللّه ، والشقي من شقي في علم اللّه ، فهو سبحانه وتعالى يعلم كل حكمة ومصلحة ومشيئة تجري على موجب الحكمة ، فكل

--> ( 1 ) المراغي . ( 2 ) الواحدي .