محمد الأمين الأرمي العلوي
12
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
المقام ، حتى تسبب من ذلك تطويل ذيول الكلام . قَدِ افْتَرَيْنا واختلقنا عَلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى كَذِباً عظيما وتخرصنا عليه من القول باطلا إِنْ نحن عُدْنا ورجعنا ودخلنا في مِلَّتِكُمْ الباطلة ، وقد علمنا فساد ما أنتم عليه من الملة والدين بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ سبحانه وتعالى وخلصنا مِنْها وبصرنا خطأها ، وهدانا الصراط المستقيم ، باتباع ملة إبراهيم ، وإذا كان اتباع ملتكم يعد افتراء على اللّه لأنّه قول عليه ، لا علم لنا به بوحي ولا برهان من العقل . . فكيف بمن يفتري عليه ويضل عن صراطه على علم ؟ فالكفر بالحق وغمطه بعد العلم به هو شر أنواع الكفر ، والافتراء على اللّه فيه أفظع ضروب الافتراء ، التي لا تقبل فيها الأعذار بحال . وفي قوله : إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ ، أيضا فيه من الإشكال « 1 » مثل ما في الأول ، وهو أنّ شعيبا عليه السلام ما كان في ملتهم قط حتى يقول : إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها والجواب عنه مثل ما أجيب به عن الإشكال الأول ، وهو أن تقول : إنّ اللّه نجى قومه الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة ، إلا أنّ شعيبا نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا مما كانوا عليه من الكفر ، فأجرى الكلام على حكم التغليب ، وقيل : معنى نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها علمنا قبح ملتكم ، وفسادها ، فكأنّه خلصنا منها . وعبارة المراغي قوله : إِذْ نَجَّانَا ؛ أي : نجى أصحابي منها ، فهو تغليب بإدخاله في زمرتهم ، أو : نجاني من الانتماء إلى هذه الملة التي ما كنت أؤمن بعقيدتها ، ولا أعمل بعمل أهلها . انتهى . وَما يَكُونُ لَنا ؛ أي : ما ينبغي لنا ، ولا يصح منا ، ولا يستقيم أَنْ نَعُودَ ونرجع إلى ملتكم وندخل فِيها ونترك الحق الذي نحن عليه في حال من الأحوال إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ؛ أي : إلا في حال مشيئة ربنا أن نعود فيها ، فهو وحده القادر على ذلك ، لا أنتم ولا نحن ، لأنّا موقنون بأن ملتكم باطلة ، وملتنا هي الحق ، التي بها صلاح حال البشر وعمران الأرض ، فحينئذ يمضي
--> ( 1 ) الخازن .