محمد الأمين الأرمي العلوي
18
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
والسابع في بلاغتها : ومن بلاغتها : العدول « 1 » من صيغة الإنشاء الذي هو المقصود من الكلام إلى صيغة الإخبار ؛ لفائدة التفاؤل بالوقوع ، كأنّه وقع الإعاذة ، فيخبر عن مطاوعه ؛ لأنّ مقتضى ظاهر السؤال أن يقال : أعذني يا ربّ من الشيطان الرجيم . ومنها : الالتفات من الخطاب بقوله : أعوذ بك ، إلى الغيبة بقوله : أعوذ باللّه ؛ لأنّ اسم الظاهر من قبيل الغيبة ؛ لغرض التبرّك والتّلذّذ بلفظ الجلالة ، ومنها : الإتيان بالصفة الكاشفة في قوله : ( الرجيم ) ؛ لتأكيد معنى الموصوف . والثامن في بيان لطيفة هذه الجملة : ومن « 2 » لطائف الاستعاذة أنّ قوله : ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) إقرار من العبد بالعجز والضعف ، واعتراف من العبد بقدرة البارئ عزّ وجلّ ، وأنّه هو الغنيّ القادر على دفع جميع المضرّات والآفات ، واعتراف من العبد أيضا ، بأنّ الشيطان عدوّ مبين ، ففي الاستعاذة : التجاء إلى اللّه تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر ، وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلّا اللّه تعالى . واللّه أعلم . [ فائدتان من الاستعاذة ] فائدتان : الأولى : فإن قلت : ما الحكمة في الأمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن ، حيث قال تعالى في سورة النحل فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ؟ . قلت : الحكمة في الاستعاذة عندها الاستئذان ، وقرع الباب ؛ لأنّ من أتى باب ملك من الملوك لا يدخل إلا بإذنه ، كذلك من أراد قراءة القرآن ؛ إنّما يريد الدخول في المناجاة مع الحبيب ، فيحتاج إلى طهارة اللسان ؛ لأنّه قد تنجّس بفضول الكلام والبهتان ، فيطهّره بالتعوّذ .
--> ( 1 ) روح البيان بتصرف . ( 2 ) الخازن .