محمد الأمين الأرمي العلوي
19
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
الثانية : في بيان حقيقة الشيطان ، قال في « 1 » روضة الأخيار : الشياطين : ذكور وإناث ، يتوالدون ولا يموتون إلى النفخة الأولى ، والجنّ : ذكور وإناث يتوالدون ويموتون ، والملائكة : ليسوا بذكور ولا إناث ، لا يموتون ولا يتوالدون ، ولا يأكلون ولا يشربون ، فثبت بهذا أنّ للشيطان ، والجنّ حقيقة ووجودا ، ولم ينكر وجود الجن إلّا شرذمة قليلة من جهّال الفلاسفة والأطبّاء ونحوهم . حكي « 2 » : أنّ الإمام الغزاليّ محيي السنة كان مفتي الثقلين ، فسألهم يوما عن الحوادث ، قالوا : إنّ الزمخشري صنّف كتابا في التفسير وبلغ إلى النصف ، فطلب منهم أن يأتوا به ، فأتوه ، فكتب جميع ما ألفه ، ثمّ وضعوا النسخة في مكانها ، فلمّا جاء الزمخشري إليه أراه إيّاه ، فتعجّب الزمخشري وتحيّر وقال : إن قلت : هو لي وأنا خبّأته وما اطّلع عليه أحد غيري ، فمن أين جاء هذا ؟ وإن هو لغيري ؛ فالتوارد في اللفظ والمعنى والوضع والترتيب في هذا القدر من الكتاب لا يقبله العقل ، قال الإمام الغزالي : هو لك ، وقد وصل إلينا من أيدي الجنّ ، وكان الزمخشري ينكر الجن فاعترف في مجلسه . ولا يلزم من هذا علم الجنّ بالغيب كما لا يخفى ، قال تعالى : تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ . ثمّ حقيقتهم عند من لم يقل بالمجردات : أجسام هوائية ، وقيل : نارية قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة ، كصور الحيّات والعقارب والكلاب والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير والطير وبني آدم ، لها عقول وأفهام تقدم على الأعمال الشاقّة ، كما كانوا يعملون لسليمان عليه السلام المحاريب والتماثيل والجفان والقدور . وعند من قال بالمجرّدات : فهم قسم من الملائكة ، والمجرّدات : الموجودات الغير المتحيّزة ، ولا الحالّة في المتحيز ، والمراد بالشيطان هنا : إبليس وأعوانه كما مرّ . ومما يدّل على تشكّلها « 3 » : ما روى الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد اللّه
--> ( 1 ) روح البيان . ( 2 ) روح البيان . ( 3 ) القرطبي .